آخر تحديث: 27 / 5 / 2024م - 7:20 م

الهوى «2 - 2»

محمد العلي * صحيفة اليوم

يهدي زكريا إبراهيم كتابه «مشكلة الحب» فيقول: «إلى كل من أدر ك أن الحب هو القيمة الكبرى التي تخلع على سائر القيم كل ما لها من قيمة» ثم يقول: «الحب في أصله «حل» لا مشكلة، ولكن البشر هم الذين جعلوه «مشكلة» حينما عجزوا عن تنظيم حياتهم وفقا لشريعة الحب، وهكذا أصبح الحب هو مشكلة تلك الموجودات».

نعم، الحب هو ما يصل به الإنسان إلى الإشراق النفسي، أي ما يحيل القلب إلى حديقة، أطيارها لا تكف عن التغريد، ولا أحد يعرف المفاجأة التي يصوبها الحب إلى قلبه، كما أنه، منذ الأزل، لا أحد يصل وصولا كاملا إلى وضع تعريف جامع مانع له سوى ابن حزم، من أنه «معاناة ذاتية» أي ليس من المستطاع نقله من صاحبه إلى غيره، تماما مثل التجربة الصوفية.

حين تقرأ الشعر العربي كله، حتى الشعر الحديث، سترى أن 95 بالمائة منه شعر كاذب، ولا عليك من الصغار، بل إن عمنا نفسه كان غزله كأحجار الرصيف، انظر إلى أجمل ما قاله غزلا، فهو ما افتتن به البلاغيون القدماء:

أزورهم وسواد الليل يشفع لي

وأنثني وبياض الصبح يغري بي

حدق في البيت جيدا فسترى أنه لا يحتوي حتى على رماد الحب لا جمره، وليس أدل على ذلك من البيت الذي يأتي بعده:

قد وافقوا الوحش في سكنى مراتعها

وخالفوها بتقويض وتطنيب

في الشعر الحديث تلتقي بحرائق الحب حقا عند الكبار من الشعراء، ومن صغارهم كذلك، فأجمل تعبير عن الحب، قرأته لأحد شعرائنا الشباب، وهو كما أذكر: «الحب غرق إلى الأعلى» ومن المؤسف أني لا أذكر اسم الشاعر.

أعود إلى العبارة المضيئة لزكريا إبراهيم: «الحب هو القيمة الكبرى التي تخلع على سائر القيم كل ما لها من قيمة» فأدعوك إلى أن تجعل كل القيم أمامك صفا واحدا، مهما طال، ثم تحدق في كل قيمة على حدة، فهل ترى واحدة منها يمكن أن تتم بدون الحب؟ أعتقد أن ذلك مستحيل، بل إن هناك من يحب حتى الموت لأنه يرتبط بقيمة عالية:

يقرب حب الموت آجالنا لنا

وتكرهه آجالهم فتطول

وإذا تركنا الشعراء «في كل واد يهيمون» وذهبنا إلى الأوسع من الناس لم نجد للحب إلا قليلا من الأشجار، بل أطل علينا «الهوى الافتراضي» كما يقول الشاعر الجميل محمد زايد الألمعي:

«يتلصصن من شرفات الهواتف/‏ يكتبن ما عن للجرح فيهن/‏ يركض/‏ في طرقات الهوى الافتراضي».

يقول جلال الدين الرومي «لا يمكن تفسير الحب، لكن يفسر الحب كل شيء».

كاتب وأديب