آخر تحديث: 30 / 5 / 2024م - 12:15 ص

جسد الثقافة.. أرشيف اللحظة الحرجة

محمد العباس * صحيفة اليوم

يصدف في كثير من الأحيان أن أبحث عن معلومة فيحيلني محرك البحث «غوغل» إلى موقع «جسد الثقافة»، الأمر الذي يجعلني أتساءل عن حجم المادة المختزنة في هذا الموقع، وعن أهميتها المعرفية والأدبية، حيث كان ذلك المنبر يشكل مصبًّا لآراء ومواقف وأفكار ونصوص يصعب حصرها، كما كان ملاذاً لأسماء وأصوات من جميع أنحاء العالم العربي صارت اليوم في مواقع إعلامية وسياسية وثقافية هامة، وكأن ذلك الأفق التعبيري المفتوح كان بمثابة مدرسة لتخريج الكفاءات، بالنظر إلى العمر الزمني المديد للملتقى، ولعنفوان الذوات التي كانت تتصارع فيه، وترفده يومياً بالجديد والجدلي من المعارف والجماليات، وبالنظر أيضاً إلى اللحظة الحرجة التي تولد فيها قبل أن تجرفه مواقع التواصل الاجتماعي.

وبالتأكيد لم يكن «جسد الثقافة» وحده هو المنبر المحرك لتلك اللحظة الصاخبة، إلا أنه كان الأبرز إلى جانب منتديات أخرى أسهمت في التحرير من قيود البيروقراطية الثقافية والتقاليد الأدبية والوصايا.

فقط التقط مرتادوه مهبّات الديمقراطية واستثمروها، وهذا هو ما يفسر وفرة المادة الفكرية والجمالية التي ابتنى بموجبها مكانته، فهو فضاء جاذب، ويصعب تصور أي اسم فاعل في المشهد الثقافي بمعزل عنه، إن لم يكن باسمه الصريح فباسم مُستعار، كما يفسر ذلك الاحتشاد فيه فكرة تحوّله إلى مرآة للمشهد الحياتي، حيث يمكن التدليل على ذلك الأثر بشواهد في مختلف المجالات، تبدو عناوينه على درجة من الوضوح في تخريج متوالية من الأصوات الذين يمثلون اليوم نخبة الكُتّاب والأدباء.

هذا الإرث هو الذي يدفع الآن للتساؤل عمّا خسرناه بموت المنتديات. يومها كان معظم مرتادي تلك المواقع ينتدون في ورش تدريبية يومية على الكتابة والقراءة والمثاقفة، وحينها كان يتشكل ما يُعرف بالمشهد الثقافي الذي تتكون فيه الصداقات والتحالفات والخصومات والاختلافات.

أي أن الصراع كان قائماً بين المختلفين بما هو وقود أي مشهد ثقافي، لأنه ينهض على التنافس ومحاولة التفوق على الآخرين، وهذا هو بالتحديد ما أهّل «جسد الثقافة» لأن يكون محطة انطلاق لمن يريد أن يعانق أشواق الثقافة.

فهو لم ينطرح كمحلٍ طهوري للمتأنقين من نجوم الكُتّاب، بل كان حالة برلمانية للجميع، لذلك حدث فيه ما حدث من قصص الحُبّ والعداوات والفراقات والائتلافات التي انعجنت بها تلك الذوات وشكلت شخصياتها الثقافية التي نراها اليوم في لحظة مغايرة ومنابر تواصل مختلفة عن حميمية المنتديات.

الفرار الجماعي من المنتديات إلى «الفيس بوك» و«وتويتر» و«المدونات» وغيرها من أشكال التواصل أجهز على المنتديات، لذلك انهار «جسد الثقافة» كغيره، فهو مهما كان جاذباً وقوياً لن يصمد أمام جرافات مواقع التواصل الأحدث، وتطبيقات التواصل ذات البُعد الفرداني مثل «سناب شات»، وهذا بالتحديد ما قصّر عمره وعجل بانتهائه، والأسوأ أن العودة إليه غير ممكنة، فقد أحرق مرتادوه مراكبهم والتحقوا بالمنابر الجديدة.

أما الجيل الجديد الذي لم يعبر رومانسية الحقبة المنتدياتية فلا يحمل أي توق لها، ولا يتخيل أنها حقبة على تلك الدرجة من الجاذبية والفاعلية، وبالتالي فإن التعامل مع «جسد الثقافة» وغيره من المنتديات لم يعد ممكناً إلا كإرشيف لمعلومات وأشواق وانفعالات وارتباكات وانتصارات لجيل تخلى هو الآخر عن محطة انطلاقه وغادرها.

الأرشيف دائماً أخرس، وإذ يمكن تقليبه ويمكن إنطاقه، وهذا هو مآل «جسد الثقافة» اليوم، وفي أحسن الأحوال يمكن أن يكون هدفاً لدراسات سوسيو - ثقافية.

أما الذين يقاومون موته، من خلال الإصرار على التواصل والعيش فيه، فهم يعيشون لحظة بطولية من لحظات العناد الرومانسي.

فالمنتديات لا تعيش بالحد الأدنى من التفاعل، بل بأقصى قدرة على الاشتباك، ولا يمكن بمقتضى التدافع الهائل في «تويتر» مثلاً، أن يكون للمنتديات حياة.

فالمنتدى دائرة مغلقة على الأعضاء والمنتسبين، ويعاني بطئا في التفاعل، مقارنة بالتفاعل اللحظي في المواقع الأحدث، كما أن مجمل النشاط الاتصالي للأفراد والجماعات والمؤسسات انتقل إلى هناك، حيث تتحرك الحياة بوتيرة أسرع، وحيث تتسع دائرة الاتصال وتتحرك مولدات المعلومات ضمن أفق كوني، تسهل العودة إلى أرشيف «جسد الثقافة» وقراءته بتأمل وهدوء.

يمكن مثلاً التقاط نص، أو متابعة حوار إزاء قضية ما في تلك اللحظة الحرجة، وكذلك يمكن اعتماد ذلك السجال كشاهد أو دليل على مقاصد ثقافية أو اعتباره بمثابة المقدمات المنطقية لما تشكّل اليوم، لكن يستحيل تجميع أي عدد من التغريدات التويترية واعتمادها كمقالة ذات أبعاد معرفية، كما يصعب الوقوف على سجال فيسبوكي بحماوة وتشعب ما كان يحدث في المنتديات، كذلك تبدو الموضوعات الهاجعة في «المدونات» بمثابة الجثث الهامدة مقارنة بحرارة السجالات المنتدياتية.

أما الرسائل «السنابتشاتية» فهي مجرد عزف منفرد لذوات متشاوفة لا تقترب من الحالة الحوارية التي كانت تضج بها المنتديات، وهو المآل الذي يجعلنا نعيد السؤال بمرارة وأسى عمّا خسرناه ثقافيًا بموت «جسد الثقافة» الذي جسّد بأمانة لحظة حياتية حرجة.

ناقد وكاتب