آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 1:13 م

دموع ملائكية

تتساقط دموعه من عينين تستشعران عظمة الله تعالى، ويمدها بإحساس الألم الإيجابي قلب يحمل نقاء وخشية من الله، وله فكر جعل من الحياة الأخروية هدفا ساميا نصب عينيه، فيحذر من كل ما يسخط ربه ويجعله مستحقا للعقاب، واستعد لذلك اليوم الذي يحاسب فيه حسابا دقيقا لا تخفى فيه شيء من أعماله، هذه الوقائع الماثلة والحاضرة في وجدانه تشكل صحوة روحية لا تخمد جذوتها، ولا تضعف أمام عواصف الخطايا المغرية أو لحظات الضعف أمام شهوات النفس وأهوائها، فيجرفها تيار الانحراف نحو التمادي والاستمرار في طريق المعصية دون ارعواء.

في ساعة الشوق والرغبة في القرب من الله تعالى تحط أعضاؤه السبعة على أرض الخشوع والتصاغر ساجدة أمام القدرة الإلهية، فتنحدر دموع الصدق والإخلاص دلالة على الإخبات والتسليم، كما أن قلبه يتوقد من حرارة الألم والحسرة على النفس مما

اجترحت من سيئات، وتخنقه عبرة الأسى من التقصير الذي غمره لفترات ماضية، لعل هذه الدموع تبلل أرض الرجوع إلى الله تعالى، فتروي شجرة التوبة النصوح وتنبت جذور التغيير الإيجابي نحو الاستقامة والورع، وتأخذ بنفسه نحو التواضع أمام الحق عز وجل.

دموع الندم ليست ندبا للحظوظ واجترار الآلام واستحضار الماضي؛ لتشكل أغلالا تقيده في إطار الذنوب التي ارتكبها، بل هي مقدمات أخذ بها نفسه في طريق الحفاظ عليها، متجنبا العقاب الإلهي ممن أسرفوا على أنفسهم في طريق الخطايا ولم تحدثهم أنفسهم المغرورة بالكف عن الذنوب.

وخير شاهد صادق على ذلك الصفاء الروحي والومض الإيماني الذي ينعم به، هو حالة التفاعل الإيجابي مع آيات القرآن الكريم عندما يقرأها أو يسمعها بإنصات وتمعن، فترتقي روحه في فضاء التأمل والتدبر واستخلاص الحكم، وأي نفس لا تبكي على نفسها مع قراءة الآيات الكريمة التي تتحدث عن نار جهنم وألوان العذاب فيها، وما يواجهه الإنسان من أهوال القيامة مما يشيب معه رأس الطفل الرضيع، فيتزود من جرعات الحذر والتنبه من الانزلاق في مهاوي الشيطان وأهواء النفس، وتتوق نفسه للنعيم الإلهي راجية عفو الله تعالى عندما يتلو الآيات المنبئة عما يلاقيه عباد الله المتقين من جزاء وثواب يتفضل به الرحمن عليهم.

الخوف من الله تعالى يرتقي في أعلى درجاته بتكامل الفكر صوابا والنفس استقامة وورعا بمعرفة عظمته تعالى، فالمرء في محضر أبيه لا يقدم على تصرفات معيبة أو قبيحة مراعاة واحتراما لوجوده، فكيف بمن يستحضر وجود الرؤوف الرحيم المتفضل علينا

بنعم لا تحصى، بالتأكيد أن استحضار وجود الله تعالى ورقابته لعبده في كل حين، فيرى منه سبحانه ما يعمل في السر والعلن، فتعزف نفسه عن فعل المعصية استنادا لهذه المعرفة الإيمانية، وأدنى درجات الخوف من الله هو خشية العبد على نفسه من الوقوع في دائرة السخط الإلهي واستحقاق عقابه، وأي تقصير أو زلة تبدر من هذا العبد فإنه يبكي على نفسه حزنا على وقوعه في الخطيئة، وهذه الدموع تشعل في نفسه جذوة الهمة العالية والإرادة القوية عل التغيير نحو الاستقامة والورع.