آخر تحديث: 19 / 6 / 2026م - 12:26 ص

بين النقد والحكم بالفشل

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

بين أفراد المجتمع، هناك من تخذله الحكمة أحيانا ليُحسن الظن في علمه وفنه ويطرح نفسه كشاعرٍ أو موسيقي أو موهوبٍ في جانبٍ ما، كما أنَّ هناك أيضاً من النقاد من يرى لنفسه قدراً عالياً من العلم والإحاطة، حتى يكاد يضع نفسه معياراً يمنح من خلاله شخصاً ما لقب «موهوب» ويُجرِّد آخر من أي قدرة على الإبداع، حتى لو مدَّ الله في عمر هذا الأخير آلاف السنين وقضاها بين أروقة العلم والفن متعباً نفسه في التعلم، فهذا الناقد صنَّف نفسه ولو من غير قصد قيِّما على الإنسان، عالماً بمكامنه، ملماً بتفاصيل عقله، بحيث يستطيع أن يُعلن للجميع أنَّ الحقيقة قد أجراها الله سبحانه وتعالى على لسانه وهو يصف شخصاً ما ب «المتطفل العاجز الذي لا ولن يستطيع تطوير نفسه» وآخر ب «الموهوب».

في اعتقادي أنَّ الوضوح في النقد مطلب مهم، فمن خلاله يعرف الشخص مكامن خطأه ليبذل وسعه في تطوير ذاته، غير أنَّ النقد شيء والجزم بالمستقبل شيءٌ آخر، النقد في حقيقته مناقشة موضوعية تُبرز الأخطاء أو نقاط الضعف من أجل تصحيحها، أما إصدار حكم بأنَّ شخصاً ما غير صالح البتة لسلك طريق معين من طرق العلوم والفنون الكثيرة فهو رجم بالغيب وادعاءٌ تنقصه الحكمة والفطنة، التجربة الميدانية تُثبت عكس هذا الادعاء تماماً حينما أبرزت لنا فنانين ومواهب في شتى العلوم كانت بداياتهم متعثرة ومليئة بالتهكم والادعاء بأنَّ مصيرهم لا محالة صائر إلى الفشل، بينما كانت النتيجة على عكس ذلك تماماً حينما أصبحوا عباقرة ومبدعين، ولو أنَّ هؤلاء اكترثوا ببعض النقاد المثبطين لأصبح طريقهم إلى الفشل مثلما أكاد أجزم أنَّ كثيرين أصبحوا كذلك من هؤلاء النقاد.

أعتقد أنَّ نسبة من هؤلاء فضّلوا هذا الطريق وأبوا أن ينتجوا شيئاً؛ لأنهم أدركوا أن الذين يفكرون بطريقتهم سيجردونهم أيضاً من أي حق في المحاولة وربما يتهكمون على نتاجهم؛ لذا فضلوا أن يكونوا ضمن الفريق الأقوى ظاهراً الذي لا يقدم إلا صمتاً وحزماً كثيرة من المثبطات وبمبررات مختلفة لكل من تسول له نفسه أن يسلك مسلكاً فنياً في حقل ما.

نُقل عن مدرسي الفيزيائي العظيم أينشتاين أنَّه كان بليد الذهن جداً، كما نُقل ذلك كذلك عن الزعيم البريطاني تشرشل، أما الأديب والمفكر والفيلسوف الفرنسي الكبير أندريه مالرو فقد أنهى تعليمه الابتدائي بعد عناء شديد، ولم يواصل دراسته، هذه النماذج لا شك أنَّها ستكون في مزبلة التاريخ لو واجهها ناقد - ممن يجد أنَّه وصل ذروة المجد - وأنزل سيل مثبطاته وعقده عليها، وربما واجه هؤلاء شيئاً من ذلك غير أنَّهم تمردوا ولم يكترثوا بأحد حتى صنعوا مجداً عظيماً لهم وللإنسانية.

ما أدعو إليه هنا هو أن يعرف كل شخص حجمه الطبيعي جيداً، ويكون طرفاً مسهماً في تشجيع الشباب وتوجيههم عوضاً عن تثبيطهم وادعاء أنَّهم غير صالحين. الإصرار يمنح الإنسان القدرة على الإبداع، فإذا ما كان هذا الشاب يملك هذه الطاقة فمن الأولى تشجيعه ومنحه الثقة والتوجيه، أما إذا فضل هذا الناقد وأصر على استمرار فلسفته غير المجدية فسيكون دائماً معول هدمٍ حقيقي في المجتمع، وهذا كما أظن أفضل الطرق لخلق مجتمع متخلف يملك من الأسباب ما يجعله يستمر دائماً في تخلفه ورجعيته.