آخر تحديث: 8 / 11 / 2026م - 3:23 م

بين القيل والقال وكثرة السؤال

جمال حسن المطوع


تعشعش في مجتمعاتنا ظواهر اجتماعية متعددة الأشكال والأبعاد، تتجلى في تداول الأخبار وانتشار الشائعات، وما يصاحبها من تأويلات وتفسيرات، قد تصيب الحقيقة أو تجانبها، وذلك في ظل ما يعرف بالقيل والقال وكثرة السؤال.

إن الخوض في شؤون الآخرين، وتناقل أخبارهم دون تثبّت، من السلوكيات التي قد تفضي إلى عواقب وخيمة، سواء حدث ذلك في المجالس العامة أم عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ يختلط الحابل بالنابل، وتتداخل الحقائق مع الادعاءات، فيصعب أحيانًا التمييز بين الصدق والافتراء.

فالكلمة سلاح ذو حدين؛ فقد تكون وسيلة لنشر الحقيقة وإصلاح ذات البين، وقد تتحول إلى أداة للإساءة والتشهير والنيل من سمعة الآخرين.

وغالبًا ما يقع ضحيةً لهذه الشائعات أناس أبرياء، يجدون أنفسهم في مواقف حرجة لم يكونوا سببًا فيها، مما يستوجب عليهم التحلي بالصبر وضبط النفس، والتعامل مع تلك الادعاءات بحكمة ورويّة، ودحضها بالحجة والبرهان، مع حفظ حقوقهم في اللجوء إلى الجهات المختصة، لمحاسبة من يثبت تعمده الإساءة أو التشهير، وفقًا للأنظمة المرعية.

وإذا كان القيل والقال من السلوكيات التي ينبغي الحذر منها، فإن كثرة السؤال تستدعي وقفة تأمّل أخرى؛ إذ ليس كل سؤال مذمومًا، ولا كل فضول مرفوضًا، فالفارق يكمن في الدافع والغاية والأسلوب.

ففضول الأطفال وكثرة أسئلتهم يمثّلان مظهرًا طبيعيًا من مظاهر النمو العقلي والمعرفي، ويتطلبان من الآباء والمربين حسن الاستماع، وسعة الصدر، والإجابة الواعية التي تنمي فيهم حب الاستطلاع والرغبة في التعلم.

أما فضول بعض البالغين، فقد يتجاوز حدود المعرفة المشروعة، ليتحول إلى تطفل على خصوصيات الآخرين، أو إثارة لتساؤلات لا تحمل فائدة، ولا تخدم غاية نبيلة.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين السؤال المعرفي البناء، الذي يهدف إلى الفهم والتعلم وتوسيع المدارك، وبين التساؤلات العقيمة والجدل الذي لا طائل منهما، واللذين قد يستنزفان الوقت والجهد دون أن يحققا نفعًا أو يثمرا معرفةً.

وخلاصة هذا الطرح أن القيل والقال وكثرة السؤال قضايا تتداخل في مظاهرها، وتختلف في دوافعها وآثارها، وأن المعيار الحقيقي في الحكم على الأقوال والأسئلة هو ما تحمله من صدق ونفع ومسؤولية.

فلنحرص على أن تكون أحاديثنا مبنيةً على الحقيقة، وأسئلتنا موجّهةً نحو المعرفة، ونقاشاتنا قائمةً على الاحترام وحسن القصد، ولنبتعد عن كل ما يثير الفتن، أو ينتهك الخصوصيات، أو يلحق الضرر بالأفراد والمجتمع.

فالخيار في نهاية المطاف بأيدينا؛ إما أن نجعل من كلماتنا وأسئلتنا وسيلةً للوعي والبناء، وإما أن نتركها تتحول إلى أدوات للفرقة والإساءة.

وقد جاء في الحديث النبوي الشريف أن رسول الله ﷺ قال:

«إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال».

وهو توجيه نبوي عظيم يتضمن دعوةً إلى صيانة اللسان، وتحري الصدق، وترك فضول الكلام وما لا نفع فيه، مع الحرص على طلب العلم والمعرفة النافعة.

وفي الختام، تبقى الكلمة أمانةً، والسؤال مفتاحًا للمعرفة، والحكمة في أن نعرف متى نتحدث، وماذا نقول، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام.

والسلام ختام.