ضياع البوصلة

عندما نتمعن في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، نجد أنه يعبر عن تكامل خلقة الجنس البشري وتكريم الله له في مظهر خارجي متزن وبنية داخلية وعقلية فائقة الإتقان. والتقويم في اللغة يعود إلى جعل الشيء ذا قوام مستقيم ومعدل في جميع شؤونه وجهات وجوده.
وقد قسم المفسرون هذا «التقويم الأحسن» إلى مظاهر متعددة تشمل الجوانب الجسدية، والعقلية، والروحية؛ فعلى سبيل المثال، خلق الله الإنسان مديد القامة، يمشي مستويًا ومستقيمًا على رجلين، بخلاف بقية الحيوانات التي تمشي منكبة على وجوهها أو على أربع. ويعد الإنسان من أعدل المخلوقات شكلًا وأحسنها صورة. وقد ذكر الإمام ابن العربي في تفسير القرطبي للآية أنه «ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان» من حيث تركيب الحواس وتناسق الأعضاء.
جهز الله الإنسان ب«يد وأصابع» يقبض بها ويتناول مأكوله ومصنوعاته بدقة، و«لسان ذلق» يعبر به عن مكنونات نفسه بالبيان والنطق الفصيح. ولم يقتصر الحسن على المظهر البديع، بل تميز الإنسان بجوهر باطني يقوم على التفكير، والوعي، والقدرة على التمييز بين النافع والضار، وتأدية الأوامر الإلهية بحرية وإرادة. وتعني الآية أيضًا أن الإنسان مهيأ بطبيعته وفطرته الأصيلة للترقي في درجات العلم النافع والعمل الصالح، والعروج إلى الرفيق الأعلى والفوز بحياة خالدة سعيدة. نعم، جهز الخالق العظيم الإنسان بأدق وأعظم الأعضاء التي تعمل على مدار الساعة؛ فنحن نملك بوصلة للحياة ليس لها مثيل.
هذا يأخذني لزيارة قمت بها إلى مركز الشيخ عبد الله السالم الثقافي بدولة الكويت؛ فكانت هناك صورة يظهر فيها عضو اللسان، ففي المتوسط يحتوي لسان الإنسان البالغ على ما يقارب 8,000 إلى 10,000 برعم تذوق. ويتكون برعم التذوق من:
خلية مستقبلة، وخلية تذوق، وخلية جلدية لسانية، وشعيرات مجهرية، وأعصاب. فبدونها يفقد الإنسان بوصلة حاسة التذوق وكل شيء جميل.
تناول الكاتب الدكتور أسعد علي النمر موضوعًا في غاية الروعة بعنوان «الصحة النفسية في ظل تسارع العالم... مسؤولية الإنسان والمجتمع»، مقسمًا المسؤولية بين وعي الفرد بذاته وقدراته، ودور المجتمع في توفير بيئة حاضنة وتفكيك الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالأمراض النفسية. ويخلص الطرح إلى أن الاستقرار النفسي يمثل ركيزة أساسية للإنتاجية والتنمية؛ مما يتطلب تكاتف الجهود لخلق مساحات هادئة تقي الفرد من الاحتراق النفسي.
وهذا الطرح الرائع له صلة مباشرة - من وجهة نظري - بفيلمين شاهدتهما سابقًا:
• Straw
• Reign Over Me
الأول: «STRAW»، وهو فيلم دراما وجريمة نفسي أمريكي، من تأليف وإنتاج وإخراج تايلر بيري. تدور أحداث الفيلم حول أم عزباء تكافح لتوفير احتياجات ابنتها المريضة؛ حيث تدفعها سلسلة من الأحداث إلى اللجوء لتدابير متطرفة.
والثاني: «Reign Over Me»، وهو فيلم درامي أمريكي، من تأليف وإخراج مايك بايندر، وإنتاج شقيقه جاك بايندر. يتناول الفيلم قصة صديقين قديمين كانا زميلين في السكن خلال أيام الجامعة، وهما آلان وتشارلي؛ حيث يعاني تشارلي من الاكتئاب في أعقاب وفاة زوجته وبناته في هجمات 11 سبتمبر.
تتمحور الصلة حول استكشافهما المشترك لمشاعر الحزن العميق، والصدمات النفسية الحادة، وآليات الدفاع التي يلجأ إليها الأفراد عندما يدفعون إلى أقصى حدود تحملهم. وتتركز العلاقة بين الفيلمين حول الثقل الساحق للصدمات التي لم تعالج، وآليات الدفاع النفسي التي تظهر نتيجة فقدان الأبناء، وكيف يصل الأفراد إلى نقطة الانهيار العاطفي التام. وعلى الرغم من الفارق الزمني الذي يقارب العقدين واختلاف السياقات الاجتماعية، يقدم كلا الفيلمين دراسة متعمقة للشخصيات، تكشف عن الطبيعة المدمرة للحزن وكيف يؤدي إلى العزلة.
فقد يفقد الإنسان بوصلته إما لسبب داخلي، أو لظروف خارجية خارجة عن تحكمه.















