آخر تحديث: 7 / 11 / 2026م - 8:25 م

المواطن أولًا

الدكتور ماهر آل سيف *


حين تقول القيادة إن المواطن هو ثروة الوطن، وتضع الدولة الأنظمة لتمكينه، وتفتح له أبواب العمل وتذلل أمامه الصعاب، يصبح السؤال مشروعًا: هل تواكب جميع الشركات هذه الإرادة الوطنية؟ أم أن بعضها يجعل المواطن آخر خياراته، والوافد أول أولوياته؟

لقد جعلت المملكة العربية السعودية توطين الوظائف ركيزةً للتنمية، ووفرت الأنظمة والمبادرات لدعم المواطن وتمكينه، ولم تبخل على شبابها بالتأهيل والتدريب والتحفيز. ولكن التشريعات مهما بلغت قوتها، لا تؤتي ثمارها كاملةً إن لم تلتزم المنشآت بروحها ونصوصها، وتتحمل مسؤوليتها تجاه الوطن وأبنائه.

أوبر.. التجربة الناجحة!

في الأول من أبريل 2020، أصدرت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية قرارًا بقصر نشاط نقل الركاب عبر تطبيقات توجيه المركبات على السعوديين.

واليوم أصبحت تجربة أوبر وكريم شاهدًا على قدرة المواطن على العمل والإنتاج، ومثالًا على تحويل الأنظمة الوطنية إلى فرص اقتصادية حقيقية.

ففي عام 2022 أعلنت الهيئة العامة للنقل أن نشاط توجيه المركبات موطن بنسبة 100%، ويشارك فيه أكثر من 800 ألف سعودي وسعودية.

إذا نجح التوطين في نقل الركاب، فلماذا لا تتوسع تجربته في توصيل الطرود والطلبات؟ ولماذا لا يكون المواطن الخيار الأول، والوافد لسد الحاجة وفق الأنظمة، بدلًا من أن تنعكس الأولويات؟

أرقام تستحق الوقوف!

بحسب إحصاءات الربع الرابع من عام 2024، بلغ عدد سائقي توصيل الطرود والطلبات نحو 181 ألف سائق، منهم قرابة 60 ألف سعودي، مقابل 121 ألف غير سعودي؛ أي إن غير السعوديين شكلوا نحو 67% من إجمالي السائقين.

كما نفذ القطاع نحو 290 مليون طلب خلال عام 2024 عبر 61 شركة مرخصة.

وهنا نتساءل: هل استنفدت هذه الشركات فرص استقطاب المواطنين؟ وهل قدمت لهم الحوافز والأجور المناسبة؟ وهل أعلنت عن فرص العمل بوضوح قبل الاتجاه إلى العمالة الوافدة؟

إننا لا نطالب بإقصاء الوافد، وإنما بإعطاء المواطن أولويته المستحقة، فلا يُستقدم العامل من الخارج وهناك ابن وطن مؤهل يبحث عن فرصة في الداخل.

مليار ريال للأسر السعودية!

لنفترض أن شركات التوصيل أتاحت 20 ألف فرصة إضافية للمواطنين، بمتوسط دخل شهري يبلغ 4,000 ريال، فإن ذلك يعني ضخ نحو 960 مليون ريال سنويًا من الدخول الإجمالية المحتملة للأسر السعودية، قبل خصم المصاريف.

ولو بلغت الفرص 40 ألفًا، لتجاوز إجمالي الدخل المحتمل 1.9 مليار ريال سنويًا.

وهذه تقديرات افتراضية، لكنها توضح حجم الأثر الاقتصادي الممكن؛ فكل ريال يصل إلى أسرة سعودية يمكن أن يتحول إلى استهلاك وادخار واستثمار داخل الوطن.

الرقابة مسؤولية وطنية!

لقد أصدرت الهيئة العامة للنقل عام 2024 قرارات لتنظيم قطاع التوصيل، منها قصر العمل الحر على السعوديين، وإلزام غير السعوديين بالعمل عبر شركات النقل الخفيف المرخصة بصورة تدريجية.

والمطلوب اليوم رقابة صارمة على التطبيق، والتحقق من نظامية العمالة وعلاقتها بالشركات، ونشر نسب التوطين، ومحاسبة المخالفين، وتحفيز المنشآت التي تمنح المواطنين فرصًا حقيقية.

فلا ينبغي أن تكون السعودة أرقامًا في السجلات، بل أرزاقًا في البيوت، ولا قراراتٍ على الورق، بل واقعًا يلمسه المواطن في سوق العمل.

همة طويق!

قال سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان: «همة السعوديين مثل جبل طويق»، وأكد أنها لن تنكسر إلا إذا انهدم الجبل وتساوى بالأرض.

وهذه الثقة القيادية ليست مجرد كلمات تُردد، بل مسؤولية وطنية تستوجب أن تؤمن الشركات بقدرات المواطن كما آمنت بها قيادته.

فالسعودي لا يريد أن يُمنح راتبًا بلا عمل، ولا امتيازًا بلا إنتاج، وإنما يريد فرصةً عادلةً ليعمل ويبدع ويثبت جدارته.

رسالتنا إلى شركات التوصيل:

اجعلوا المواطن أول خياراتكم، وامنحوه فرصة قبل البحث عن بديله؛ فأنتم تستثمرون في وطنه، وتنتفعون من اقتصاده، وتعملون تحت أنظمته.

إن الوطن الذي أعطاكم فرصة الاستثمار، يستحق منكم أن تعطوا أبناءه فرصة العمل. فالتوطين ليس عبئًا على الشركات، بل وفاء للوطن، واستثمار في الإنسان، ومشاركة في صناعة مستقبل الأجيال.