آخر تحديث: 5 / 11 / 2026م - 11:47 ص

التسوية الصعبة في اللحظات الأخيرة!

حسن المصطفى * صحيفة الشرق الأوسط

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مطلع نوفمبر «تشرين الثاني» الحالي، أن المحادثات مع الوسطاء القطريين أفضت إلى صيغة تختصر مدة تنفيذ المقترح الإيراني لإعادة فتح مضيق هرمز إلى يومين فقط. وبموجب هذا التصور المطروح تتخذ واشنطن إجراءات اقتصادية وأمنية في اليوم الأول، في مقابل إعادة فتح المضيق في اليوم الثاني. وحتى الساعة، لم تعلن الولايات المتحدة قبولها المقترح المقدَّم، بينما لا تزال طهران تشترط الاستجابة لمطالبها قبل استئناف المفاوضات المباشرة، وهذا ما أكد عليه أكثر من مرة الأمين العام ل«المجلس الأعلى للأمن القومي» محسن رضائي.

هذا التطور أتى بعد محادثات استمرت أكثر من 12 ساعة في طهران، وانتقلت تالياً إلى الدوحة في 31 أكتوبر «تشرين الأول» المنصرم.

الاتصالات المكثفة تكشف عن تقدم في مناقشة الإجراءات العملانية والتوقيت، مع استمرار الخلاف حول طبيعة الالتزامات ومن يبدأ في تنفيذها، وهي المسألة التي أخفقت واشنطن وطهران في تجاوزها خلال جولات التفاوض السابقة، وقد يؤدي ذلك لتعثر الجهود الحالية إذا لم تكن هنالك مرونة تمنع انزلاق المنطقة إلى حرب جديدة، ستكون أقسى من سابقتيها!

ولا أن الدبلوماسية المدعومة بقوة والمخطط لها بشكل دقيق، من الممكن أن تكون بديلاً فاعلاً عن حربٍ صفرية تستنزف ميزانيات دول المنطقة، وتفتح المجال أمام الميليشيات والمجاميع الإرهابية لتنشط في الفوضى!

بالنسبة إلى الرياض، فإن التسوية المطلوبة تتصل بأمن الخليج العربي، وأيضاً سلامة أراضي المملكة ومنشآتها، وحرية الملاحة البحرية في مضيقَي هرمز وباب المندب، ووقف الاعتداءات الحوثية وعمليات الميليشيات العراقية. ولهذا أكدت وزارة الخارجية السعودية في بيان نشرته يوم 26 أكتوبر الماضي، تطلعها إلى «تعاطي أطراف الأزمة بكل إيجابية وعملية مع نتائج هذه الزيارة، ومع جهود قطر وباكستان المستمرة»، وذلك بعد زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان ضمن وفد «اتفاقية مكة» إلى طهران.

ضمن السياق ذاته، تواصلت الاتصالات السعودية - الأميركية عبر لقاء وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان نظيره الأميركي ماركو روبيو في أتلانتا، يوم 31 أكتوبر الماضي؛ حيث تناول اللقاء التحديات الإقليمية؛ وهو ما يشير بوضوح إلى جدية الرياض في مساعيها التي على طهران أن تتعاطى معها بإيجابية كبيرة، وتجنب المنطقة مواجهة لن تكون في صالح دولها وشعوبها.

مواكبةً لكل هذا الحراك، جاءت رسالة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى الجنرال محسن رضائي، في مسعى لفتح قناة تواصل مع أحد مراكز القرار الأمني الإيراني؛ خصوصاً أن رضائي هو ممثل المرشد الأعلى مجتبى خامنئي في «المجلس الأعلى للأمن القومي» ولديه تاريخه العسكري كرئيس سابق ل«الحرس الثوري» الإيراني.

بحسب ما تسرب اشترط فانس إدراج الملف النووي في أي مفاوضات جديدة. أما رضائي فأعلن لاحقاً أن اللهجة الأميركية «تغيرت تماماً»، واعتبر ذلك مؤشراً إيجابياً؛ لكنه لم يقدم رداً رسمياً على الرسالة حتى الساعة.

هذه التطورات المهمة يجب النظر لها في سياقاتها السياسية الدقيقة، بوصفها مساعي اللحظات الأخيرة لتجنب الحرب، لا انتصاراً سياسياً أو دعائياً لإيران كما تروج بعض الأوساط في طهران؛ لأن هذه القراءة ستضلل صناع القرار في النظام وتجعل النشوة تأخذهم، عوض أن يكون العقل السياسي البارد هو من يفكك الأحداث بعناية، ويبني عليها سياسات تكون في صالح أمن دول المنطقة كافة.

كل ذلك لا يعني أن الطريق إلى السلم معبدٌ وسهلٌ؛ حيث تزداد صعوبة التسوية مع تمسك إيران بترتيبات خاصة للملاحة عبر مضيق هرمز تكون تحت إدارتها. وهذه مطالبة تستوجب بحثاً مستقلاً عن الملف النووي، يتعلق بحرية الملاحة وحقوق الدول المستخدمة للمضيق، ولا يكفي بشأنها التفاهم الأميركي - الإيراني وحده؛ لأن السعودية وبقية دول الخليج العربي لن تقبل بأن تُعطَى إيران هدايا مجانية تتعارض مع القانون الدولي وتنتهكه، وتكرس أمراً واقعاً بالإكراه وتهديد السفن!

أيضاً، استئناف تفتيش المنشآت النووية الإيرانية الذي تطالب به الولايات المتحدة، يحتاج إلى معالجة وضع مخزون اليورانيوم عالي التخصيب. فقد حذَّر مدير «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» رافائيل غروسي، من عدم القدرة على التحقق من نحو 440 كيلوغراماً من هذه المواد. وأي إعفاءات اقتصادية مقابل التفتيش ستحتاج إلى تحديد نطاق الرقابة، ومصير المخزون النووي، إضافة لإجراءات التعامل مع الانتهاكات التي قد تُقدم عليها إيران.

إذن، ما الذي من الممكن أن تترتب عليه زيارة وفد «اتفاقية مكة»، والوساطة القطرية، ورسالة فانس؟

باعتقادي، هنالك احتمالات مستقبلية عدة: الأول منها «تفاهم مرحلي» توافق فيه واشنطن على إجراءات اقتصادية محدودة، مقابل إعادة فتح المضيق، وإتاحة التفتيش وفق جدول زمني محدد. ويعتمد نجاح ذلك على قبول إيران بحث الملف النووي، وتراجع مطالبها بالإدارة المنفردة للملاحة البحرية في هرمز. وهذا التفاهم الأولي يقود تالياً إلى تقدمٍ في النقاشات في الملفات المختلفة، ضمن سياسة خطوة مقابل خطوة، وصولاً إلى الاتفاق النهائي مستقبلاً.

الاحتمال الثاني «استمرار المفاوضات من دون اتفاق»، وهو مسار يتضمن مخاطر عالية؛ لأن واشنطن سوف تواصل الحصار البحري والضغط الاقتصادي على إيران، وتواصل القوات الإيرانية استخدام المضيق ورقة تفاوضية، وتهدد السفن العابرة؛ سواء باستهدافها بالصواريخ أو بالطائرات المُسيَّرة والألغام. هذا المسار ربما يمنح الوسطاء وقتاً إضافياً للعمل، ولكنه يرفع بدرجة كبيرة احتمالات المواجهة العسكرية، وأيضاً يقوي وجهة نظر المتشددين في مختلف الأطراف، ويعمق عدم الثقة والريبة.

«عودة المواجهة العسكرية» هي الاحتمال الثالث، ومن الممكن أن تحدث بشكل عنيف إذا رفضت الأطراف التنازلات المتبادلة، أو أدى حادث أمني خطير إلى انهيار الاتصالات. وما يعزز هذا التوجه الرسالة الأخيرة للمرشد مجتبى خامنئي الذي هدد بالرد من دون قيود جغرافية!

من المفيد ألا يُفرِط المراقِبُ في التفاؤل أو التشاؤم، وأن تتم قراءة المشهد بواقعية؛ حيث تستطيع السعودية وقطر وباكستان وتركيا دعم تسوية تضمن أمن المنطقة وتمنع عودة الحرب، ولكن نجاحها يتطلب قبول الولايات المتحدة وإيران، وعدم تدخل إسرائيل عسكرياً، ومعالجة متوازية وجادة وعملية للملف النووي، وحرية الملاحة، والاعتداءات العابرة للحدود عبر الميليشيات، من خلال التزامات محددة وآليات رقابة واضحة؛ وإلا فإن المواجهة العسكرية ستكون حتمية.