آخر تحديث: 4 / 11 / 2026م - 2:11 م

خرابيش مريض… مظلّة وحكايتا حبّ

عبد الكريم سعيد النمر


لم أكن أتخيّل أن مظلّةً صغيرة وطفلاً في السادسة من عمره سيحكيان لي حكايتين من الحب…

لطالما طُرح سؤال...

أيهما أشدُّ حبًّا: حبُّ الزوج لزوجته… أم حبُّ الأم لولدها؟

كنتُ أظن أن مثل هذا السؤال لا جواب له، وأن المقارنة بين حبين من طبيعتين مختلفتين لا معنى لها.

حتى رأيت ذات يوم مشهدًا عابرًا، لم يستغرق سوى دقائق… لكنه أعاد إليَّ ذلك السؤال من جديد.

كانت الساعة الحادية عشرة والربع من صباح يوم الأربعاء 22 يوليو.

الحرارة في الظهران تقترب من ثمانٍ وأربعين درجة مئوية… والشمس لا تترك للمارة كثيرًا من الرحمة.

كنت خارجًا من المبنى الرئيسي لمستشفى جونز هوبكنز أرامكو… متجهًا نحو مواقف السيارات الشرقية «مواقف الزوار».

وذلك الممشى، الذي قد لا يلفت انتباه أحد في يوم عادي، بدا لي طويلًا في ذلك اليوم… فحين تكون مريضًا، تصبح المسافة شيئًا آخر… تقيسها بخطواتك وبما تبقّى في جسدك من قوة.

أمامي كانت تسير أسرة صغيرة…

رجل في الثلاثين تقريبًا، يتقدّم قليلًا، وخلفه زوجته وطفلهما الذي بدا في الخامسة أو السادسة من عمره.

ولأن الممشى كان ضيقًا، بالكاد يتّسع لثلاثة أشخاص، وجدتُ نفسي مضطرًا إلى السير بهدوء خلفهم دون أن أتمكن من تجاوزهم.

ولم أكن أعلم أن تلك الخطوات الهادئة ستكشف لي قصّتَي حبّ…

كانت الأم تحمل في يدها اليمنى مظلّة… وبسبب فرق الطول بينها وبين طفلها، كانت تخفض يدها وتُميل المظلّة حتى يستقر ظلّها فوق رأس ولدها ويحجبه عن الشمس تمامًا.

كانت تمشي ويدها على تلك الحال… منخفضة ومائلة وممدودة طوال الطريق.

تساءلت في نفسي: ألا تتعب يدها من هذه الوضعية… مع حرارة الجو وطول المسافة؟

لكنها، كما بدا لي، لم تكن تفكر في تعب يدها أو ألم جسدها… بل كلُّ همّها كان منصبًّا على صغيرها الذي يسير تحت المظلّة.

انتبه الزوج إلى ذلك.

توقف… وعاد خطوتين إلى الوراء، ثم رفع يدها والمظلّة معها حتى أصبح الظل يغطّيها وطفلها معًا.

لم أسمعه يقول شيئًا، ثم واصل السير.

لكن الأم… بعد أقل من دقيقة أعادت يدها إلى وضعها السابق وأمالت المظلّة من جديد نحو طفلها.

عاد الزوج إليها مرة أخرى.

نظر إليها، ثم إلى المظلّة، وقال شيئًا لم أسمعه، لكن حركته كانت واضحة وكأنه يقول لها:

«ارفعيها… لا تتعبي، فالمظلّة تكفيكِ وتكفيه».

ثم مضى.

ظننتُ أن الأمر انتهى…

لكنه لم ينتهِ!!!

عاد الزوج للمرة الثالثة.

وهذه المرة لم يكتفِ برفع يدها، بل أمسك معصمها برفق وأخذ يحرّك يده عليه كأنه يدلّكه ليخفف عنها تعبًا شعر به قبل أن تتكلم.

توقفت لتوقفهم أمامي… لكنني لم أسمع ما دار بينهما، ولا أدري أكان عتابًا لطيفًا أم كلمات حبٍّ واهتمام، أم مجرد نظرة قالت ما عجزت الكلمات عن قوله؟

لكنني رأيتُ ما كان يكفي لفهم المشهد.

كان هو يحاول أن يحمي يد زوجته من التعب، وكانت هي تحاول أن تحمي طفلها من الشمس.

ثم اقترب الثلاثة من بعضهم أكثر… وصار الأب يمشي إلى جانبهما والممشى بالكاد يتّسع لهم.

وكان بإمكان المظلّة الآن أن تظلّل الأم وطفلها معًا.

ومع ذلك… مدّت الأم يدها مرة أخرى وأخفضتها وأعادت المظلّة نحو رأس صغيرها!!!

وكأن شيئًا في داخلها كان أقوى من كل محاولات زوجها… حنانُ أم ترى الشمس قبل أن تصل إلى ولدها.

مرّت تلك اللحظات سريعًا…

وأنا أمشي خلفهم، لم أسمع من الزوجين كلمة واحدة أستطيع تمييزها، لكنني رأيتُ من الأفعال ما أغناني عن سماع الكلمات.

رأيتُ زوجًا يخشى التعب على زوجته، وأمًّا لا تكاد تشعر بتعبها وهي تحمي طفلها.

وعندها عدتُ إلى سؤالي القديم:

أيُّهما أشدُّ حبًّا؟

لكنني هذه المرة أدركتُ أن السؤال نفسه ربما لم يكن في محلّه.

فبعض أنواع الحب لا تصلح لها الموازين ولا تحتاج إلى مقارنة.

لكلٍّ منها لغته… ولكلٍّ منها مكانه في القلب.

أما تلك المظلّة الصغيرة… فقد كانت، في ذلك الطريق الحار، تحكي حكايتين من الحب دون أن تنطق بكلمة.

همسة مريض:

ما أحلى كلمات الحب… لكن الحب ليس كلمات تُقال دائمًا.

أحيانًا تُفصح الأفعال والنظرات عمّا يعجز اللسان عن التعبير عنه.