آخر تحديث: 4 / 11 / 2026م - 2:11 م

الابن المتفوق الذي لا يعرف ماذا يريد!

عباس قاسم الملاحي *


حصل على معدل مرتفع، وتصدّر قائمة المتفوقين، وامتلأ هاتف والده برسائل التهنئة، وأصبح حديث العائلة في المجالس واللقاءات. الجميع يتوقع له مستقبلًا مشرقًا، فهذا يراه طبيبًا، وذاك يتمنى أن يصبح مهندسًا، وآخر ينصحه بتخصص يضمن له وظيفة مرموقة. لكن وسط كل هذه الأصوات، كان هناك سؤال واحد لم يسأله أحد: ماذا يريد هو؟

وحين جاء وقت اختيار التخصص الجامعي، كانت المفاجأة أن الطالب الذي اعتاد الإجابة عن أصعب أسئلة الاختبارات، عجز عن الإجابة عن أبسط سؤال يتعلق بمستقبله: ”ماذا أريد أن أكون؟“.

هذه المفارقة ليست مجرد حكاية عابرة، بل مشهد قد يتكرر في بيوت كثيرة، حين نكتشف أن أبناءنا الذين نجحوا في التفوق الدراسي لم ينجحوا بالضرورة في اكتشاف أنفسهم.

في مجتمعنا القطيفي، حيث يحظى التعليم بمكانة رفيعة، وتفتخر العائلات بتفوق أبنائها وبناتها، وتُعلّق صور الخريجين وتُتداول أخبار إنجازاتهم في المجموعات العائلية، يبدو التفوق الدراسي واحدًا من أجمل مصادر الفخر الأسري. وهذا أمر يستحق التقدير، فهو يعكس اهتمام الأسر بالتعليم وحرصها على مستقبل أبنائها. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الدرجات المرتفعة من مؤشر على الاجتهاد والقدرة إلى شهادة مفترضة بأن صاحبها يعرف طريقه في الحياة.

فالتفوق الدراسي يجيب عن سؤال: ماذا يستطيع الطالب أن ينجز؟ أما اكتشاف الذات فيجيب عن سؤال أكثر عمقًا: ماذا يريد أن يفعل بما يستطيع؟

قد يكون الطالب متفوقًا في الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية، لكنه لا يعرف أي المجالات تثير فضوله، ولا أي الأعمال تمنحه الشعور بالإنجاز، ولا طبيعة الحياة المهنية التي يتطلع إليها. لقد أمضى سنوات طويلة يتعلم كيف يجيب عن أسئلة الآخرين، لكنه ربما لم يجد الوقت الكافي ليطرح أسئلته الخاصة.

واللافت أن بعض الأسر، بدافع الحب والحرص على المستقبل، ترسم لأبنائها الطريق قبل أن تتعرف إلى ميولهم. فالابن المتفوق في المواد العلمية يُدفع نحو الطب أو الهندسة، والمتفوقة يُقال لها إن مجموعها يؤهلها لأفضل التخصصات، وكأن ارتفاع المعدل يلزم صاحبه باختيار تخصص بعينه، حتى وإن لم يكن يجد نفسه فيه.

وهنا يظهر نوع من الضغط لا يأتي دائمًا في صورة أمر مباشر، بل قد يكون توقعًا عائليًا يصعب على الابن مخالفته. فهو لا يريد أن يخيب أمل والده، ولا أن يحزن والدته، ولا أن يسمع من أقاربه سؤالًا محرجًا: ”معدلك مرتفع، فلماذا اخترت هذا التخصص؟“.

فيختار أحيانًا ما يرضي الجميع، باستثناء نفسه.

ولا يعني ذلك أن الطب أو الهندسة أو غيرهما من التخصصات المرموقة خيارات خاطئة، بل إن الخطأ يكمن في أن يصبح اسم التخصص أهم من ملاءمته لصاحبه. فهناك من يبدع في الطب لأنه يحبه، وهناك من يدخله لأنه لم يجد الشجاعة ليقول إنه يحب شيئًا آخر.

ومن واقع البيئة المدرسية، يمكن ملاحظة أن بعض الطلاب يجيدون تنفيذ المطلوب منهم بدقة، ويحرصون على أعلى الدرجات، لكنهم يترددون حين يُطلب منهم اتخاذ قرار شخصي، أو التعبير عن اهتمام لا يرتبط باختبار أو شهادة. وقد تكون هذه نتيجة سنوات من التركيز على التحصيل الدراسي أكثر من إتاحة الفرصة للتجربة والاستكشاف.

فالطالب الذي ينتقل من المدرسة إلى المنزل، ومن الواجبات إلى الدروس الإضافية، ومن اختبار إلى آخر، قد لا يجد مساحة كافية ليكتشف اهتماماته خارج حدود المنهج. وربما يمتلك موهبة في التصميم، أو شغفًا بالبرمجة، أو ميلًا إلى العمل الاجتماعي، أو قدرة على القيادة والإقناع، لكنها تبقى كامنة لأن أحدًا لم يمنحه فرصة لاختبارها.

وفي القطيف، بما تضمه من مدارس وأنشطة اجتماعية وثقافية وتطوعية، وما تمتلكه من طاقات شبابية ومبادرات أهلية، توجد فرص يمكن أن تساعد أبناءنا على اكتشاف قدراتهم بعيدًا عن ورقة الاختبار. فمشاركة الطالب في تنظيم فعالية مجتمعية في سيهات، أو نشاط تطوعي في تاروت، أو مبادرة ثقافية في القطيف، قد تكشف له عن جانب من شخصيته لم تستطع درجاته المدرسية التعبير عنه.

ليس المطلوب أن يتحول كل نشاط إلى مسار مهني، بل أن يتعرف الشاب إلى نفسه من خلال التجربة، وأن يكتشف ما يحبه وما لا يناسبه، وما يجيده وما يحتاج إلى تطويره.

وهنا يبرز دور الأسرة بوصفها شريكًا في الاكتشاف، لا جهة تتولى اتخاذ القرار.

فبدلًا من سؤال الابن: ”كم تتوقع أن تحصل في الاختبار؟“، يمكن أن نسأله أيضًا: ”ما المادة التي تستمتع بدراستها؟ ولماذا؟“. وبدلًا من أن نقول له: ”نريدك طبيبًا“، يمكن أن نسأله: ”كيف تتخيل يوم عملك بعد عشر سنوات؟“. وبدلًا من حصر النقاش في رواتب المهن ومكانتها الاجتماعية، ينبغي أن نناقش معه طبيعة العمل ومتطلباته وفرصه ومدى انسجامها مع شخصيته وقدراته.

ولا يعني احترام رغبة الابن أن نتركه يقرر مستقبله دون معرفة أو توجيه. فالاستقلال في اتخاذ القرار لا يتعارض مع الاستفادة من خبرات الوالدين، بل يقوم على الحوار والمعلومات والتجربة وتحمل المسؤولية. ومن حق الأسرة أن تنصح، وأن تشرح واقع سوق العمل، وأن تنبه إلى صعوبات بعض الخيارات، لكن من المهم ألا تتحول النصيحة إلى قرار لا يملك الابن حق مناقشته.

كما أن للمدرسة، وبخاصة التوجيه الطلابي، دورًا يتجاوز متابعة الدرجات وتكريم المتفوقين، ليشمل مساعدة الطلاب على معرفة ميولهم وقدراتهم، والتعرف إلى التخصصات والمهن، وتنمية مهارات اتخاذ القرار. فالنجاح الحقيقي في التوجيه لا يتمثل فقط في وصول الطالب إلى الجامعة، بل في وصوله إليها وهو أكثر وعيًا بنفسه وبالطريق الذي اختاره.

ونحن نعيش مرحلة تتسع فيها الفرص المهنية وتتغير فيها طبيعة الوظائف في ظل التحولات الاقتصادية والتقنية التي تشهدها المملكة، لم يعد من الحكمة اختزال المستقبل في عدد محدود من المهن التقليدية. فالمجالات تتنوع، والمهارات المطلوبة تتجدد، والنجاح المهني لا تصنعه المكانة الاجتماعية للتخصص وحدها، وإنما تصنعه أيضًا الكفاءة والشغف والقدرة على التعلم والتكيف.

وربما نحتاج، في مجالسنا العائلية ولقاءاتنا الاجتماعية، إلى إعادة النظر في الطريقة التي نحتفي بها بالتفوق. فمن الجميل أن نفخر بالابن الذي حصل على معدل مرتفع، لكن الأجمل أن نفخر أيضًا بابن عرف قدراته، واختار طريقه بوعي، وتحمل مسؤولية قراره، حتى وإن كان اختياره مختلفًا عما توقعناه له.

فليس كل متفوق يعرف ماذا يريد، وليس كل من تأخر في اكتشاف طريقه أقل قدرة على النجاح.

وقد يكون أخطر ما نفعله بأبنائنا، دون أن نشعر، أن نُعلّمهم طوال سنوات الدراسة كيف يكونون الأفضل في أعين الآخرين، ثم نندهش حين يعجزون عن معرفة ما يريدونه لأنفسهم.

في النهاية، لا يحتاج الابن المتفوق إلى من يختار له مستقبلًا يليق بدرجاته بقدر ما يحتاج إلى من يساعده على اكتشاف مستقبل يليق بقدراته وطموحاته.

فمن المؤلم أن يقضي الشاب سنوات عمره متفوقًا في تحقيق أحلام الآخرين، ثم يكتشف متأخرًا أنه لم يمنح نفسه فرصة ليحلم.

تربوي وتقني متخصص في التحول الرقمي، يجمع بين الخبرة التعليمية وتطوير الحلول الذكية وتحليل البيانات، ويوظف التقنية والتصميم الإبداعي لرفع كفاءة الأداء وخدمة المؤسسات التعليمية.