الثقافة.. مشروع مجتمع

العملية الثقافية ليست شأنًا تجريديًا متعاليًا على الزمان والمكان، وفاقدة الصلة بالنظام المعرفي والحضاري لمجتمع ما أو عصر ما، وإنما الثقافة مرتبطة دائمًا بالزمان والمكان، بحيث تكون الحلقة الوسطى بين المثال المتعالي عن الزمكان، والواقع المأزوم وليد الزمان والمكان.
فالثقافة هي تلك القوة العلمية والتوعوية الدافعة للانتقال من الواقع المأزوم إلى المثال والأنموذج. لهذا لا يمكن أن تنمو الثقافة بعيدًا عن عمليات الحراك الاجتماعي، وإنما الأرض الخصبة لنمو الثقافة ونضجها هي التدافع الاجتماعي والحضاري.. في هذه الأجواء والمماحكات تكشف الثقافة عن مكنوناتها، وتعبر عن ثرواتها وإمكاناتها، وتنضج تصوراتها وتقويماتها للأمور والأشياء، لذلك فنحن لا نتصور ثقافة بلا مشروع، وإنما الثقافة كعملية اجتماعية وإنسانية، تعني وجود مشروع وخطط لتلك الثقافة، لنقل ذلك الوجود الاجتماعي الإنساني، من واقع إلى آخر، ومن حالة لأخرى.
ومن الملاحظ تاريخيًا أن وجود الثقافة والعلم في قلب عمليات الحراك الاجتماعي هو الذي أوجد وأبدع مجموعة من العلوم والاختصاصات، التي تلبي شؤون الحراك والتدافع الاجتماعي.
فلا يمكن فصل الثقافة والأفكار، عن واقعها الاجتماعي، ولذلك تأسست علوم من قبيل علم اجتماع المعرفة أو الأنثروبولوجيا الحضارية. لهذا فإننا لا يمكن أن نتصور وجودًا بشريًا بدون ثقافة كما لا يمكن أن تكون هناك ثقافة بلا وجود بشري، إذ إن هناك علاقة حميمة تربط ما هو إنساني مع الثقافة والعكس.
لهذا فإن الثقافة تشكل المضمون العقلي والنفسي، الذي يدفع الإنسان نحو العمل والكفاح والتشبث بأسباب التقدم وعوامل الحضارة، ولهذا أيضًا لا نجد مجتمعًا حضاريًا بلا ثقافة؛ فالحضارة يلازمها دائمًا تطور ثقافي.
وجماع القول: إن الثقافة حجر الأساس في أي مشروع اجتماعي، ينشد النهضة، ويتطلع إلى الرقي والحضارة. ولكن الخطأ الفظيع الذي يرتكب بحق الثقافة وآفاقها، حينما نعتبرها مشروعًا نخبويًا، لا اجتماعيًا.. فنجتهد في بلورة مفاهيم الثقافة وتطلعاتها لدى الصفوة الفكرية، وننسى أو نتناسى أن الثقافة ”وفق هذا المنظور“ ليست مشروعًا نخبويًا فحسب، بل هي مشروع مجتمع.. إذ ينبغي أن تصل إلى كل شرائح المجتمع وبمختلف الطرق والعناوين، وثمة مسوغات عديدة، تجعل الثقافة مشروع مجتمع لا حاجة نخبوية فقط.. ويمكننا أن نشير إلى هذه المسوغات في النقاط التالية:
أن بقاء الثقافة خاصة بالنخبة، وغيابها عن بقية أبناء المجتمع، سيهدد المجتمع بأسره، لأن الغالبية منه، ستعتمد في ثقافتها على الثقافة الجماهيرية التي يبثها الأجنبي، عبر مختلف الطرق والأساليب الحديثة، وبهذا يتعرض المجتمع لخطر الصناعات الثقافية الوافدة، التي لا شك أنها تعكس منظومة معرفية وثقافية متناقضة لمنظومتنا المعرفية والثقافية. لهذا تنبع ضرورة جعل الثقافة مشروع مجتمع لما للثقافة من دور وفاعلية في الحفاظ على الأمن الثقافي والحضاري لشعوب العالم العربي والإسلامي.
وينبغي القول في هذا الإطار أن بقاء المجتمع في حالة سكونية - راكدة يوسع من دائرة الخلل في مسيرة المجتمع لهذا فإن حضور الثقافة في المجتمع هو الذي يبدد حالة السكون ويقضي على الرتابة والجمود ويؤسس لفعل تطويري.. لهذا فإن الثقافة كما يقول «توماس هوبز» في أحد معانيها ومفاهيمها، تعني ”عملًا يبذله الإنسان لغاية تطويرية“ وحسب رأي «ماثيو أرنولد» من أن الثقافة تقوم بعملية الارتقاء نحو الكمال الإنساني، وتتم بتمثيل أفضل الأفكار التي عرفها العالم وبتطوير الخصائص الإنسانية المميزة، لذلك فإن الثقافة عامل مهم من عوامل التطور في المجتمعات الإنسانية.
إن الثقافة من صميم الفكر العربي المعاصر، تحاوره وتنتقده وتُقوِّم الاعوجاج فيه، وتعلن آفاقها الإنسانية، وتبرز مطامحها العليا، لا لكي تنفصل عن سياق ونسق الحضارة ومشروعها، وإنما لكي تبقى جزءًا منه.
وهي التي في رحابها يتحاور أصحاب الرأي والفكر ولا يتخاصمون، وإن اختلفوا، وعلى المستوى التاريخي كان لامتزاج الثقافة بالمشروع الحضاري العربي والإسلامي الأثر الكبير في مسيرة الأمة، إذ قدمت للبشرية جمعاء أكثر صفحات سفر البشرية إشراقًا.
إذ بفعل هذا الامتزاج تم انتشار الإسلام وتوسعت رقعته الجغرافية ووصل إلى أقاصي المعمورة واستطاع المسلمون أن يضربوا أروع الأمثلة في السلوك والمواقف التي اتخذوها تجاه المجتمعات الجديدة.
لهذا فإن من الخطأ الفادح، أن نختزل الثقافة في الأروقة الضيقة ونجعلها حكرًا على فئة واحدة، إن التاريخ والحاضر يعلماننا أن حيوية الثقافة وفاعليتها مرهونة بتوسيع قاعدتها الاجتماعية، وأن مقتلها الحقيقي يتجسد في خنقها في إطار نخبوي ضيق.
من هنا فإن تطلعاتنا الحضارية، ووفاءنا للثقافة وأدوارها يلزماننا بجعل الثقافة مشروع مجتمع حتى تؤتي ثمارها وتمارس دورها الطبيعي في الوسط الاجتماعي.
إن الثقافة لا تعني التجريد في المنطلق، والبحث الممل في الفرضيات، بل إنها على ارتباط وثيق بأنشطة المجتمع، ولهذا نجد كما يشير إلى ذلك «أكرم زعتر»، ارتباط نشأة العلم في الواقع العربي والإسلامي بأنشطة المجتمع، إذ ارتبطت نشأة علم الفلك بالانشغال في الفلاحة والملاحة، وارتبط علم المساحة والهندسة - عند المصريين - باكتساح الفيضان لمزارعهم واحتياجهم إلى تحديدها ومساحتها.
ولم يكن أمرًا غريبًا أن ينشأ علم الحساب على أيدي التجار الفينيقيين. لقد استمر هذا الارتباط التاريخي عبر الحضارة العربية والإسلامية. فمن خلال الانهماك العظيم في تدارس القرآن ظهرت بذور العلوم الإسلامية من نحو وصرف وبلاغة وفقه وكلام وفلسفة، كما دفع ترامي الدولة الإسلامية، وحث القرآن المسلمين على السياحة في الأرض إلى نشأة علم الجغرافيا.
إن ما يلفت النظر في التجربة الثقافية والعلمية التاريخية، هو أن البحث والأفكار ارتبطت دائمًا بالواقع.. فلا نجد نظرية أو قانونًا قد اكتُشف أو مدرسة فكرية أو عقدية قد نشأت، إلا كان ثمرةً للنشاط العقلي الرامي إلى حل إشكال قائم في دنيا الواقع أو تطويره، وهو ما كان دائمًا هاجس الثقافة والعلم في المشروع الحضاري العربي والإسلامي.
فالثقافة وفق المنظور الحضاري الإسلامي، ليست مشروعًا متعاليًا على الواقع وشؤونه كما أنها ليست تراكمًا تجريديًا لا صلة له بالناس، وإنما هي حركة باتجاه صقل مواهب الإنسان وتهذيب سلوكه العام والخاص، وجعله متناغمًا والاختيارات الكبرى للمشروع الحضاري.. إن الثقافة تسعى إلى أن يتوجه الإنسان في استخدام فكره وعقله بصورة أفضل، لفهم نفسه وفهم الكون من حوله - وهما مجالا المعارف كلها - فهمًا أكثر عمقًا وشمولًا، بطريقة البحث العلمي الرصين، ولا تتغافل عن الواقع بحركته اليومية السريعة، لهذا فإن مجتمعًا يعلي من شأن الثقافة والعلم، ويجعل تجسيدهما في الواقع الخارجي على سلم أولوياته، ويتحرك باتجاه تجسيد قيم العلم والمعرفة في نظام علاقاته الداخلية، فإنه جدير بالتفوق وقيادة المجتمعات البشرية الأخرى.. لهذا فإن الثقافة بآلياتها وأطرها الاجتماعية، ومنابرها الجماهيرية، ينبغي ألا تكون معزولة عن حركة المجتمع، حيث إن تفاعل المجتمع مع الثقافة وارتباطها بحركة المجتمع سيغذي الثقافة بأسئلة جديدة وآفاق عديدة وتطلعات منسجمة مع متطلبات الراهن، ولا شك أن إحدى الوسائل الفعالة لتجديد الثقافة هو التفاعل مع المجتمع والالتصاق الواعي بحركاته..
فالثقافة جزء من الواقع الاجتماعي والحضاري.. لذا لا يمكن أن نتصور مجتمعًا بلا ثقافة، كما لا يمكن أن نحصل على ثقافة بدون المجتمع، فدائمًا الثقافة بحاجة إلى الكيان الإنساني الذي يساهم في تطوير الثقافة، وتأكيد قيمها العليا في الوسط الاجتماعي. ويضيف المجتمع بحركته وحراكه الأفكار والخبرة والمفاهيم الجديدة في المنظومة الثقافية العامة.
لهذا فإن الثقافة، بمفاهيمها وتطلعاتها، ليست مشروعًا فرديًا أو خاصًا بنخبة وشريحة اجتماعية ضيقة، بل هي مشروع المجتمع كله بتطلعاته وطموحاته، بواقعه ومستقبله، بتاريخه وراهنه.
وينبغي القول في هذا الإطار أيضًا أن التشكيلات الاجتماعية المختلفة، والتنوعات الطبيعية المتوفرة في مجتمعاتنا، قد تكون عوامل هدم وتضعيف للكيان الاجتماعي برمته. فالثقافة وحدها، بإمكاناتها المعرفية وتطلعاتها الإنسانية، قادرة على تجاوز هذه العناوين المشتتة للجهود والمبعثرة للطاقات. فالثقافة هي القادرة على صنع الشخصية الوطنية السوية الجامعة، التي لا تتأطر في دوائر الانتماء الضيقة على حساب الوطن، وتربط جميع الدوائر الاجتماعية بهذا الجامع الوطني.
وأخيرًا: إن تطورنا وتقدمنا في هذه الفترة مرهون بمدى قدرتنا على تحقيق الانسجام والتماثل بين الثقافة والمجتمع بحيث تكون حركة المجتمع في أطره المختلفة تعبيرًا عن مفاهيم الثقافة كما تكون مفاهيم الثقافة متعمقة في السلوك الخاص والعام، حتى يكون المجتمع ثقافة متحركة.












