آخر تحديث: 2 / 11 / 2026م - 4:26 م

ما بعد الجادّة

الدكتور أحمد الطويل


مقدمة:

قد يضلّ الإنسان طريقه في سفر، فيجد نفسه في مكان لا يعرفه، تحيط به الطرق المتشعبة، وتغيب عنه العلامات، ويبدأ القلق يتسلل إلى قلبه كلما ابتعد عن وجهته. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون حاجته إلى السرعة بقدر حاجته إلى من يدلّه على الطريق الصحيح.

وبعض المواقف التي نعبر بها في حياتنا لا تنتهي بانتهاء أحداثها؛ إذ قد تحمل في تفاصيلها الصغيرة معاني أكبر من الحكاية نفسها، وتفتح أمامنا أبوابًا للتأمل في حقائق تستحق أن نتوقف عندها.

وهذه قصة واقعية عشنا قلقها لحظةً بلحظة، ثم وجدنا في تفاصيلها تذكيرًا يحتاجه كل إنسان: فليس أخطر ما في الطريق أن نضلّه، بل أن نستمر في السير بعيدًا عن وجهتنا، ونحن لا ندرك أننا قد ابتعدنا.

ليلٌ أطول من الطريق

كان أحد أبنائي في مهمة تدريبية بمدينة الطائف، وبالتزامن مع ذلك كانت لديه اختبارات جامعية في المدينة المنورة، فحصل على الإذن بالسفر لأداء اختباراته، ثم العودة لمواصلة تدريبه.

انطلق بسيارته في حدود وقت الظهيرة، مستعينًا بتطبيق الخرائط الذي يفترض أن يرشده إلى وجهته. لكنه لم يسلك الطريق الرئيسي المعروف، بل قادته الإرشادات إلى طرق فرعية تَمُر بِقُرى ومناطق متفرقة، حتى وجد نفسه في مسارات لم يألفها من قبل.

ومع كل منعطف، كان يظن أنه يقترب من الطريق الصحيح، ثم يكتشف أنه دخل طريقًا آخر، أو وصل إلى قرية جديدة، أو ابتعد أكثر عن المسار الذي ينبغي أن يسلكه.

مرّت الساعات، وبدأ النهار ينسحب شيئًا فشيئًا، حتى أقبل الظلام، وأصبحت الطرق أكثر عزلة، والحركة فيها قليلة، والمسافات بين القرى طويلة. لم يكن الطريق كما تصوّره حين بدأ رحلته؛ فقد تحوّل السفر الذي كان يفترض أن يكون مباشرًا إلى رحلة من الحيرة والبحث والتردد.

وفي البيت، كنا نتابع الأمر بقلق متزايد. وكانت والدته أشدنا خوفًا عليه؛ فكلما طال غيابه دون أن يصل، اتسعت مساحة القلق في قلوبنا. وليس من السهل أن تعرف أن ابنك يسير في طرق مجهولة، وسط ظلام الليل، ولا تدري متى يصل، ولا ما الذي قد يواجهه.

كان قد غادر قرابة الظهيرة، ولم يصل إلى مقر إقامته في المدينة المنورة إلا قرابة التاسعة مساءً؛ نحو تسع ساعات من التيه والتعب والبحث عن الطريق.

لكن أكثر ما بقي في ذاكرتي من هذه الرحلة ليس طول المسافة، ولا تأخر الوصول، بل تلك اللحظة التي أدرك فيها أنه لا يستطيع مواصلة السير على هذا النحو، وأنه بحاجة إلى من يعرف الطريق ويدلّه عليه.

حين يظهر من يدلّك

في إحدى القرى التي مرّ بها، التقى رجلًا كريمًا لم يكتفِ بأن يصف له الطريق بالكلمات، بل سعى إلى مساعدته عمليًا. استدعى شخصًا آخر يعرف المسارات، وطلب منه أن يتقدم بسيارته أمام ابني ليدلّه على الطريق الصحيح.

وهكذا، بعد ساعات من الحيرة، أصبح أمامه من يعرف الطريق، ويسير به نحو الجادّة.

لم يكن المطلوب من ذلك الرجل أن يوصله إلى المدينة المنورة، ولا أن يكمل الرحلة بدلًا عنه؛ كل ما فعله أنه قاده إلى بداية الطريق الرئيسي، ووضعه على المسار الصحيح، ثم أخبره أنه أصبح قادرًا على مواصلة السير بنفسه.

ولعل هذه الصورة البسيطة تحمل معنى عميقًا في حياتنا.

فكم من إنسان يضلّ الطريق، ولا يحتاج في بداية الأمر إلا إلى من يوقظه، أو ينصحه، أو يبيّن له موضع الخطأ، أو يرشده إلى الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه!

قد يكون هذا الإنسان أبًا، أو أمًا، أو صديقًا صادقًا، أو عالمًا ناصحًا، وقد يكون موقفًا عابرًا يوقظ القلب بعد غفلة، أو كلمة صادقة تعيد الإنسان إلى مراجعة نفسه.

لكن المهم أن يكون لدينا استعداد لقبول الهداية؛ فليس كل من ضلّ يطلب من يدلّه، وليس كل من أُرشد استجاب، وليس كل من ظهرت أمامه علامة الطريق اختار أن يتبعها.

إن من أعظم النعم أن يهيئ الله للإنسان من يرشده حين تختلط عليه الطرق، وأن يرزقه قلبًا يعرف الحق حين يراه، ونفسًا تقبل الرجوع إليه حين يتبين لها الخطأ.

الجادّة التي نحتاج أن نعرفها

حين وصل ابني إلى الطريق الرئيسي، لم ينتهِ سفره في تلك اللحظة؛ فقد بقي أمامه وقت ومسافة، وكان عليه أن يواصل السير حتى يبلغ وجهته. لكنه أدرك أن الخطر الأكبر قد زال، وأنه أصبح على طريق واضح يستطيع متابعة رحلته فيه.

ومع ذلك، لم ينتهِ القلق تمامًا؛ فقد ظلّ يترقب علامات الطريق حتى ظهرت لوحة تشير إلى المدينة المنورة، وبدأت السيارات تزداد من حوله. عندها فقط أخذ الاطمئنان يتسلل إلى القلب، بعد ساعات من الخوف والترقب.

وهنا توقفت عند معنى الجادّة.

فالإنسان قد يسير كثيرًا، ويبذل جهدًا كبيرًا، ويقطع مسافات طويلة، لكنه لا يقترب من وجهته إذا كان يسلك الطريق الخطأ. بل قد يصبح سيره المتواصل سببًا في زيادة ابتعاده، بدلًا من أن يكون سبيلًا إلى وصوله.

وهذا المعنى لا يقتصر على السفر؛ فالحياة نفسها طريق، والإنسان فيها مسافر، تتعدد أمامه المسارات، وتتشابك حوله الخيارات. وقد ينجذب إلى طريق يبدو في بدايته سهلًا ومريحًا، ثم يكتشف بعد حين أنه أبعده عن الغاية التي خُلق من أجلها.

وقد يعيش الإنسان سنوات منشغلًا بأمور كثيرة؛ يجمع، ويبني، ويسعى، ويتنافس، ويؤجل، ويظن أنه يتقدم، لكنه لا يتوقف ليسأل نفسه: إلى أين أمضي؟ وهل هذا الطريق يقرّبني من الله، أم يصرفني عنه؟

ولهذا نردد في صلواتنا كل يوم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ .

إننا نسأل الله الهداية إلى الطريق المستقيم، ونسأله أن يثبتنا عليه، وألا نضل بعد أن عرفناه، وألا تأخذنا زينة الطرق الأخرى بعيدًا عن غايتنا.

فالهداية ليست مجرد معرفة الاتجاه الصحيح؛ بل أن نسير فيه، ونثبت عليه، ونراجع أنفسنا كلما شعرنا أننا بدأنا نحيد عنه.

ما الفرق بين تيهٍ وتيه؟

هناك فرق كبير بين إنسان يضلّ طريقه في الدنيا، وإنسان يمضي في طريق الحياة حتى يفاجئه الموت وهو لم يستعد للقاء الله.

فالأول، مهما طال تيهه، ما زال يملك فرصة السؤال والبحث والعودة. يستطيع أن يتوقف، ويطلب المساعدة، ويصحح مساره، ويستأنف رحلته من جديد. وقد يجد في طريقه إنسانًا كريمًا يدله على الجادّة، فيخرج من حيرته ويواصل السير نحو وجهته.

أما الثاني، فقد يمضي عمره في غفلة، ويؤجل التوبة، ويؤخر العمل الصالح، ويقول في نفسه: ما زال أمامي وقت، وسأعود يومًا، وسأصلح ما قصّرت فيه حين تتيسر الظروف.

لكنه ينسى أن العمر ليس طريقًا نعرف نهايته، وأن الأجل ليس موعدًا نختاره، وأن الإنسان لا يعلم متى تكون آخر خطواته في هذه الدنيا.

وهنا يأتي التحذير القرآني الذي يوقظ القلب من غفلته، ويكشف لنا حقيقة الأمنيات التي لا تنفع بعد فوات الأوان: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، [المؤمنون: 99-100].

تأملوا هذا المشهد: إنسان أدرك الحقيقة، ورأى ما كان يؤجله، وعرف ما كان ينبغي أن يقدمه، فلم يطلب مالًا ولا جاهًا ولا مزيدًا من متاع الدنيا؛ إنما طلب الرجوع ليعمل صالحًا.

لقد عرف قيمة العمل حين انتهت فرصته في الدنيا.

وكم من إنسان يؤخر صلاة، أو يصرّ على ذنب، أو يقطع رحمًا، أو يظلم غيره، أو ينشغل بالدنيا حتى ينسى آخرته، وكأنه يملك ضمانًا بأن الغد سيأتي، وأن الفرصة ستبقى مفتوحة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب القلب أن يعتاد التأجيل، حتى يصبح الرجوع إلى الله أمنية مؤجلة، بدلًا من أن يكون قرارًا يتخذه اليوم.

لا تنتظر أن تضلّ أكثر

في قصة الطريق، كان من الممكن أن يواصل ابني السير في الطرق الفرعية، وأن يظن مع كل منعطف أنه يقترب من وجهته. لكنه حين أدرك حاجته إلى المساعدة، وتوقف ليبحث عمّن يدله، بدأت رحلة العودة إلى المسار الصحيح.

وهكذا ينبغي أن نتعامل مع أخطائنا في الحياة.

لا ننتظر حتى تتراكم الذنوب، ولا حتى تقسو القلوب، ولا حتى تطول الغفلة فتثقل العودة على نفوسنا. فباب التوبة مفتوح، والإنسان ما دام في فسحة من عمره يستطيع أن يعيد ترتيب أولوياته، ويصحح علاقته بربه، ويرد الحقوق إلى أهلها، ويبدأ من جديد.

ولا ينبغي أن يخدعنا طول الطريق؛ فالعبرة ليست بعدد السنوات التي عشناها، ولا بكثرة ما أنجزناه، وإنما بالوجهة التي نسير إليها، وبما نحمله معنا حين نصل إلى نهاية الرحلة.

وقد يكون أعظم ما يحتاجه الإنسان في بعض مراحل حياته أن يتوقف قليلًا، لا ليرتاح من عناء الدنيا فحسب، بل ليسأل نفسه بصدق: هل أنا في الطريق الذي يرضاه الله؟ وهل أستعد للقاء الذي لا مفر منه؟ وهل ما أفعله اليوم ينفعني حين أقف بين يديه؟

إن هذه الأسئلة ليست دعوة إلى اليأس، ولا إلى خوف يشلّ الإنسان عن العمل؛ بل هي دعوة إلى اليقظة التي تدفعه إلى الإصلاح، وإلى الرجاء الذي يفتح أمامه باب التغيير، وإلى أن يجعل ما بقي من عمره فرصةً لا ينبغي التفريط فيها.

ويبقى السؤال

حين وصل ابني إلى الطريق الرئيسي، لم تكن تلك نهاية الرحلة، لكنها كانت بداية الاطمئنان؛ فقد عرف أنه أصبح على المسار الصحيح، وأن ما بقي من الطريق يستطيع أن يقطعه وهو يعرف وجهته.

أما نحن، فنحن في رحلة لا نعرف متى تنتهي، ولا نعلم كم بقي لنا من الطريق. قد نضلّ، وقد نغفل، وقد تلهينا الحياة عن غايتنا، لكن رحمة الله تفتح لنا باب العودة ما دمنا أحياء.

وإذا كان التيه في طريق الدنيا قد أقلق قلوبنا، وجعلنا ننتظر وصول ابننا بلهفة، فكيف ينبغي أن يكون حرصنا على أنفسنا ونحن نسير في طريق الآخرة؟ وكيف نطمئن إلى أعمالنا ونحن لا نعلم متى تنتهي فرصتنا؟

ليس المطلوب أن لا نخطئ أبدًا، فكل ابن آدم خطّاء، ولكن المطلوب ألا نصرّ على التيه حين نعرف الطريق، وألا نؤجل العودة حين تتاح لنا فرصة الرجوع.

فلنبحث عن الجادّة قبل أن يفاجئنا انتهاء الطريق، ولنستعن بالله، ولنتمسك بهدايته، ولنجعل أعمالنا زادًا ليوم لا ينفع فيه الندم على ما فات.

فهل نحن نسير فعلًا في الطريق الذي يوصلنا إلى الله، أم أننا لا نكتشف أننا أضعنا الجادّة إلا حين لا يبقى أمامنا طريق للعودة؟