آخر تحديث: 2 / 11 / 2026م - 6:15 م

لائحة سعادتنا الصغيرة

نجمة آل درويش‎ *


كثير من الأشياء تتغير بتغيّر إدراكنا وطريقة تفكيرنا فيها.

كان يُنظر قديمًا إلى المرأة التي تطبخ في منزلها على أن مكانها المطبخ، ويُقال لها، وكأنها لا تفعل شيئًا سوى الطبخ، بينما هي في الحقيقة بطلة تمارس عدة مهن في وقت واحد: تنظف، تغسل، تطبخ، وتُدرّس أطفالها، وكل ذلك في يوم واحد بلا مقابل.

واليوم، نفس الطبخ أصبح مهنة لها قيمة مادية، صار اسمها «شيف»، وصار لها احترام وسعر. الفعل لم يتغير، لكن النظرة تغيرت.

ومن هنا تغيّرت نظرتنا نحن. أقنعوا المرأة التي تعمل في بيتها بأنها بلا هدف، وأن قيمتها لا تتحقق إلا خارج البيت، فتركت بعض النساء هذا كله واتجهت إلى مهن أخرى وتركت أعمال المنزل للخادمة.

وهذا ليس عن المرأة وحدها، بل صار مقياسنا لكل شيء. أي شخص يُقدم على عمل يحبه، ويُمضي فيه وقتًا، يُسأل فورًا: ماذا تستفيد؟ والمقصود غالبًا: كم تكسب؟ فإن لم يكن هناك مال، قيل إن ما يفعله بلا قيمة.

وانحصر مفهوم التغيير في ما نملكه، ونسينا أن نسأل عن تغييرنا نحن: هل أصبحنا أكثر هدوءًا؟ هل عرفنا أن نسعد أنفسنا بأقل الأشياء؟ هل قلّت سلبيتنا وغضبنا؟

أنا لست ضد المال والعمل، هو نعمة تحقق الاستقلالية والحياة الكريمة، وكلنا نحبه، لكن مرامي أن بعضنا تكفيه نسبة معينة من المادة. مقتنع وتعجبه حياته هكذا. وربما يصرف وقته الباقي في أعمال تخصه هو، تنفع روحه ونفسه.

تذكرت رواية ”لائحة رغباتي“ لغريغور دلاكور، عن امرأة كسبت جائزة كبيرة فلم تخبر زوجها، لأنها جلست تفكر في علاقتها المتينة معه ومع أولادها، في تلك اللحظات الصغيرة الجميلة التي تعيشها كل يوم. ومتجرها الصغير، هل هي مستعدة للتخلي عنها؟ وهل ستبقى سعادتهم هي نفسها بعد المال؟

كانت البطلة تدرك أن أغلى ما تملكه ليس الجائزة، بل تلك اللحظات السعيدة الصغيرة التي كانت تخشى أن تخسرها بسبب الجائزة.