آخر تحديث: 2 / 11 / 2026م - 2:09 م

من ذكريات الملتقى الدولي للكتاب العربي - فرنسا اكتوبر 2026

عدلان… حين يتجاوز الفكر حدود الكرسي

رضي منصور العسيف *


بعض اللقاءات تمرّ في حياتنا مرورًا عابرًا، فلا يبقى منها سوى صورة في الذاكرة، وبعضها يأتي على غير موعد، فيترك في القلب أثرًا عميقًا، ويفتح أمامنا نوافذ جديدة لفهم الإنسان والحياة.

ولعل أجمل ما تمنحنا إياه الملتقيات الثقافية ليس ما نسمعه من كلمات، ولا ما نقتنيه من كتب، وإنما تلك الشخصيات التي نلتقيها مصادفة، فنكتشف أن وراء ملامحها حكايات تستحق أن تُروى، وتجارب إنسانية تستحق أن تُكتب.

وهذا ما حدث لي في الملتقى الدولي للكتاب العربي، الذي أُقيم في فرنسا في 19-25 أكتوبر 2026.

اللقاء الأول… وابتسامة كسرت الحواجز

كان الملتقى فضاءً جميلًا جمع نخبة من الأدباء والمثقفين وأصحاب الأقلام المبدعة، وجاء كل واحد منهم يحمل تجربته الخاصة، وأفكاره، وحكاياته التي تستحق الإصغاء.

وفي اليوم الأول، وبينما كنت أتجول في قاعة الملتقى، أتأمل الوجوه وأستمع إلى الأحاديث، لفت انتباهي رجل سوداني يجلس على كرسي متحرك.

لم أكن أعرف اسمه، ولا شيئًا عن حكايته، لكن حضوره أثار في داخلي فضولًا إنسانيًا، وشعرت أن وراء ذلك الهدوء قصة لم أسمعها بعد.

وفي اليوم التالي، رأيته مرة أخرى، فوجدتني أتجه نحوه، مدفوعًا برغبة صادقة في التعارف.

اقتربت منه، ومددت يدي مصافحًا، وقلت:

— السلام عليكم، كيف حالك؟

ردّ التحية بابتسامة هادئة، فأتبعت سؤالي:

— اسمح لي، لم أتشرف بمعرفة اسمك.

قال:

— اسمي عدلان.

ابتسمت وقلت بعفوية:

— أوه! عدنان! نحن في القطيف أحيانًا ننطق اسم عدنان فنقول: عدلان!

ضحك وقال:

— لا، لا… اسمي الحقيقي عدلان، وليس عدنان!

نظرت إليه مستغربًا وقلت:

— عدلان؟ وكيف جاء هذا الاسم؟

قال ببساطة:

— من العدل.

قلت مازحًا:

— آه، فهمت الآن! يعني عدل زائد عدل يساوي عدلان!

فضحكنا معًا

كانت ضحكة بسيطة، لكنها صنعت شيئًا جميلًا؛ فقد كسرت حاجز الغربة، واختصرت المسافة بين شخصين لم يسبق لهما اللقاء.

ومن تلك اللحظة، لم أعد أشعر أنني أتحدث مع رجل غريب، بل مع صديق بدأت معرفتي به قبل دقائق، وكأن بيننا حديثًا قديمًا نكمله.

وأدركت يومها أن بعض الصداقات لا تحتاج إلى مقدمات طويلة، وإنما يكفيها قلب منفتح، وكلمة لطيفة، وابتسامة صادقة.

مذكرات أمل… حين يجد الإنسان نفسه بين صفحات كتاب

أثناء حديثنا، تذكرت أحد كتبي، فقلت له:

— عدلان، لديّ كتاب بعنوان ”مذكرات أمل“، يتحدث عن فتاة اسمها أمل، تعيش على كرسي متحرك.

بدا أنه يحاول استيعاب ما أقوله، فأخرجت له صورة غلاف الكتاب، وقلت:

— انظر، هذه صورة الكتاب، وبطلته فتاة على كرسي متحرك، لكنها تحمل في داخلها حكاية كبيرة من الأمل والإرادة.

تأمل الغلاف، ثم رفع عينيه نحوي وقال

— آه… على كرسي متحرك؟

قلت:

— نعم، على كرسي متحرك.

ثم أضفت:

— وغدًا، بإذن الله، سأحضر لك نسخة من الكتاب هدية مني إليك.

أشرقت ملامحه بابتسامة جميلة، وبدت عليه سعادة لم أكن أتوقعها.

وربما لم تكن سعادته بالكتاب وحده، وإنما بذلك الاهتمام الإنساني الذي جاءه دون موعد، وبحديث عفوي لم يبدأ بسؤال عن المرض أو الإعاقة، بل بدأ بالتعارف، وانتهى بوعد جميل.

افترقنا بعد ذلك، وانشغل كل منا ببرنامج الملتقى، من محاضرات وقصائد شعرية ولقاءات ثقافية، لكن صورة عدلان وابتسامته بقيتا حاضرتين في ذاكرتي.

الكتاب الذي أصبح مرآة لصاحبه

جاء اليوم الثالث، وهو اليوم الذي كنت أستعد فيه لإلقاء كلمتي عن كتابي ”جواهر من نبض الحياة“.

وقبل أن تبدأ الجلسة، التقيت بعدلان مجددًا.

اقتربت منه، وأخرجت الكتاب من حقيبتي، وقدمته إليه قائلًا:

— عدلان، هذا هو الكتاب الذي حدثتك عنه… ”مذكرات أمل“. هذه نسختك، وهي هدية أعتز بتقديمها إليك.

تناول الكتاب بفرح واضح، وشكرني بحرارة، ثم بدأ يتصفحه.

فتح الصفحات الأولى، وقرأ المقدمة، ثم توقف لحظة، ورفع رأسه نحوي، وقال عبارة لم أكن أتوقعها:

— هذا الكتاب… كأنه يتحدث عني!

ابتسمت، وتركته يكمل القراءة.

كان يقلب الصفحات، ويتوقف عند بعض العبارات، ثم يعود إلى القراءة، وكأنه لا يقرأ حكاية فتاة لا يعرفها، بل يستعيد شيئًا من حكايته الشخصية.

وفي تلك اللحظة، شعرت أن الكتاب بدأ يؤدي رسالته الحقيقية.

فالكاتب قد يكتب عن شخصية واحدة، لكنه لا يعلم كم إنسانًا سيجد نفسه بين سطورها، وكم قلبًا ستلامسه حكاية لم تُكتب باسمه.

وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يجد اسمه في الكتاب؛ يكفي أن يجد شيئًا من روحه بين صفحاته.

سؤال من الصف الأول

حان موعد كلمتي، فتوجهت إلى المنصة للحديث عن كتابي ”جواهر من نبض الحياة“، وعن التجارب الإنسانية التي عشتها مع المرضى، وكيف تحولت بعض المواقف البسيطة إلى قصص تحمل رسائل عميقة عن الحياة والأمل والعلاقات الإنسانية

ومن بين الحاضرين، كان عدلان في الصف الأول.

تقدم بكرسيه المتحرك إلى الأمام، وجلس منصتًا، يتابع حديثي باهتمام.

وبعد انتهاء الكلمة، فُتح المجال للأسئلة والمداخلات.

وفجأة، رأيت يدًا ترتفع من الصف الأول.

كانت يد عدلان.

أُتيحت له الفرصة للحديث، فوجّه إليّ سؤالًا لم يكن عاديًا:

— كيف استطعت أن تكتب عن أمل بهذه الطريقة، وتجعل القارئ يعيش تفاصيل شخصيتها ويتفاعل معها؟ لقد بدأت أقرأ الكتاب، وشعرت أنني أنا المقصود بهذه الحكاية، وليس أمل!

توقفت عند سؤاله لحظة.

لم يكن يسأل عن أسلوب أدبي، أو عن طريقة بناء الشخصيات الروائية فحسب، بل كان يتحدث عن تجربة وجد فيها شيئًا من ذاته، وعن كلمات لامست جانبًا من حياته.

أجبته:

— لأنني حين أكتب عن شخصية، لا أكتفي بوصفها من الخارج، بل أحاول أن أعيش تفاصيل حياتها، وأفهم مشاعرها، وأقترب من أحلامها ومخاوفها وآمالها. أحاول أن أرى العالم بعينيها، وأن أشعر بما تشعر به، حتى تصبح الشخصية إنسانًا حيًا في داخلي قبل أن تتحول إلى كلمات على الورق.

ثم أضفت:

— وحين تكون الكتابة صادقة، فإنها لا تصل إلى عيني القارئ وحدهما، بل تصل إلى قلبه أيضًا.

كان لسؤاله أثر عميق في نفسي.

لقد كتبت ”مذكرات أمل“ لأروي حكاية فتاة، ولم أتوقع أن ألتقي مصادفة في باريس برجل من السودان، ليقول لي إنه وجد نفسه في تلك الحكاية!

وهنا أدركت معنى جميلًا من معاني الأدب:

قد نكتب عن إنسان واحد، لكننا في الحقيقة نلامس تجارب إنسانية تتشابه في الألم، وتلتقي في الأمل، مهما اختلفت الأسماء والأوطان والظروف.

عدلان… الحكاية التي لم أكن أعرفها

انتهى الملتقى، وعدت إلى القطيف، حاملًا ذكريات جميلة، وصداقات جديدة، وكتبًا وأفكارًا وحكايات.

لكن اسم عدلان بقي حاضرًا في ذاكرتي.

لم يكن مجرد شخص التقيته في قاعة الملتقى، بل إنسانًا شعرت أن وراء هدوئه وابتسامته قصة لم أسمعها بعد.

كنت أعرف أنه يجلس على كرسي متحرك، لكنني لم أكن أعلم أن وراء هذا الكرسي عالمًا واسعًا من المعرفة، وتجربة طويلة من القراءة والتأمل والثقافة.

ولم أكن أتوقع أن ذلك الرجل الذي بدأ تعارفنا معه بمزحة عن اسمه، سيصبح بابًا لحكاية إنسانية وثقافية تستحق أن تصل إلى القراء.

تواصلت معه بعد عودتي، وتحدثنا عن مشروع أدبي جديد، وعن إمكانية توثيق بعض محطات حياته في سلسلة من المذكرات.

بدأ الحديث بسيطًا، ثم أخذ يتسع شيئًا فشيئًا.

كانت كل حكاية تقود إلى حكاية، وكل ذكرى تفتح بابًا لذاكرة أخرى، وكأنني أقلب صفحات كتاب لم أكن أعرف عنوانه من قبل.

وحين وصلنا إلى الجانب الثقافي من حياته، فوجئت بما سمعته.

لم أكن أمام رجل يحمل مجرد ذكريات شخصية، بل أمام إنسان يمتلك رصيدًا ثريًا من القراءات والمعارف والتجارب الفكرية.

كان يتحدث عن الثقافة بشغف، وعن الكتب بذاكرة حاضرة، وعن تجاربه الفكرية بروح إنسان لم تسمح الظروف القاسية بأن تحدّ من آفاقه.

وكلما استمعت إليه، ازداد إعجابي بهذا الإنسان.

لقد اكتشفت أنني في باريس رأيت كرسيًا متحركًا، لكنني لم أرَ يومها كل ذلك العالم الثقافي الذي يحمله صاحبه.

رأيت رجلًا يتحرك على كرسي، ولم أكن أعلم أن فكره يسافر بعيدًا، وأن ذاكرته تحتفظ برحلات طويلة بين الكتب والتجارب والمعارف.

لقد كنت أظن أنني أتعرف إلى حكاية رجل، فإذا بي أكتشف رجلًا يحمل في داخله حكايات كثيرة.

حين يكون العقل أوسع من حدود الجسد

تعلمت من عدلان درسًا إنسانيًا لا يقل قيمة عن الدروس التي سمعتها في الملتقى.

تعلمت ألا نحكم على الإنسان من مظهره، ولا نختصر تجربته في حالته الصحية، ولا نجعل من الإعاقة عنوانًا وحيدًا لحياته.

فالإنسان أكبر من ظروفه، وأعمق من مظهره، وأغنى بما يحمله من فكر وعلم وقيم وتجارب.

قد يحتاج الجسد إلى كرسي يعينه على الحركة، لكن العقل يستطيع أن يجوب العالم دون أن يستأذن قدميه.

وقد تضيق أمام الإنسان بعض الطرق، لكنه يستطيع أن يفتح لنفسه طرقًا أخرى بالعلم والقراءة والإرادة.

وهذا ما وجدته في عدلان.

لم يكن الكرسي المتحرك هو الذي يعرّف شخصيته، بل ثقافته، ووعيه، وذاكرته، وشغفه بالمعرفة، وقدرته الجميلة على تحويل التجارب إلى دروس تستحق التأمل.

لقد اكتشفت أن بعض الناس يحملون مكتبات كاملة في عقولهم، وأن بعض الحكايات لا تكشف عن ثرائها إلا حين نقترب من أصحابها، ونمنحهم فرصة الحديث.

فليس كل ما نراه من الإنسان هو كل ما فيه؛ فقد تختبئ وراء ملامحه الهادئة عوالم من الفكر، وتجارب من الحياة، وكنوز من المعرفة لا تكشفها إلا الكلمة والحوار.

من مذكرات عدلان… تبدأ الحكاية

واليوم، وأنا أستعيد تفاصيل ذلك اللقاء الذي بدأ بابتسامة في باريس، أشعر بالامتنان لتلك المصادفة الجميلة.

فلو أنني اكتفيت بالنظر إلى عدلان من بعيد، لما عرفت اسمه.

ولو أنني لم أتقدم لمصافحته، لما نشأت بيننا تلك الصداقة.

ولو أنني لم أهدِه كتاب ”مذكرات أمل“، ربما لم أسمع منه ذلك السؤال الذي كشف لي كيف تستطيع الكلمة الصادقة أن تعبر من تجربة إنسان إلى قلب إنسان آخر

ولو أنني لم أتواصل معه بعد عودتي إلى القطيف، لبقي ذلك العالم الثري من الذكريات والثقافة بعيدًا عن معرفتي.

وهكذا أدركت أن بعض اللقاءات لا تنتهي حين نفترق، بل تبدأ حكايتها الحقيقية بعد الوداع.

في باريس، أهديتُ عدلان كتابًا عن الأمل، ولم أكن أعلم أن الأيام ستهديني من خلاله كتابًا آخر لم يُكتب بعد؛ كتابًا عنوانه الإنسان، وصفحاته التجربة، وحروفه الإرادة والمعرفة.

ولعل أجمل ما تعلمته من هذا اللقاء أن الإنسان لا يُقاس بما يحدّ من حركته، بل بما يتسع له عقله، وما يحمله قلبه، وما يتركه فكره من أثر في الآخرين.

واليوم، أجد نفسي أمام صفحات جديدة من حياة عدلان، صفحات تحمل ذكريات الطفولة، ومحطات الدراسة، وشغف القراءة، وتجارب الألم والصبر، وحكايات الإنسان الذي ظل يجد في المعرفة نافذة تطل على الحياة.

ولي مع عدلان سلسلة من المذكرات… ليست مجرد استعادة لأحداث مضت، بل رحلة في ذاكرة إنسان يحمل من التجارب ما يستحق أن يُروى، ومن الثقافة ما يستحق أن يُكتشف، ومن الدروس ما يستحق أن يبقى.

وهكذا، فإن اللقاء الذي بدأ بابتسامة عابرة في باريس، لم يكن نهاية حكاية، بل كان بدايتها.

وما زالت في ذاكرة عدلان صفحات لم تُفتح بعد… وحكايات تنتظر أن تُروى.


كاتب وأخصائي تغذية- القطيف