آخر تحديث: 30 / 10 / 2026م - 4:38 م

لأنفسنا حق!

أحمد منصور الخرمدي *


الحياة، وما تحمله من مسؤوليات، وتعدد متطلبات المعيشة، وما بين العمل والأسرة وهموم الحياة الاقتصادية والاجتماعية، تجعلنا في حاجة دائمة إلى ما يخفف عنا وطأة الأيام، ويمنح أرواحنا فسحة من السكينة والأمل. ولأنفسنا علينا حق، فإن من واجبنا ألا نتركها فريسة للانشغال الدائم، وأن نمنحها شيئًا من الراحة والاهتمام، كما نحرص على أداء مسؤولياتنا تجاه الآخرين.

وقد تكون كلمة صادقة، أو ابتسامة عفوية، أو موقف كريم، أو يد تمتد بالعون، أو قلب يتسع للآخرين بالمحبة والتسامح، سببًا في تخفيف ما نحمله من أعباء، واستعادة شيء من صفاء النفس وطمأنينتها.

إننا لا نحتاج دائمًا إلى تغييرات كبيرة حتى نشعر بالراحة؛ فقد تكون لحظة صفاء مع النفس، أو جلسة هادئة مع الأسرة، أو زيارة صديق عزيز، أو سؤال صادق عن إنسان غاب عن الأنظار، كفيلة بأن تجدد في داخلنا شيئًا من النشاط والتفاؤل.

وربما كان أجمل ما نهديه إلى بعضنا بعضًا ألا نزيد أثقال الحياة على من أثقلته الظروف، وألا نكون مصدرًا للقلق لمن يبحث عن الطمأنينة. فالراحة التي نبحث عنها لأنفسنا لا تنفصل عن الراحة التي نمنحها لمن حولنا، وحسن التعامل مع الآخرين ينعكس أثره على نفوسنا وعلاقاتنا.

وكما يحتاج الجسد إلى الماء والغذاء، تحتاج النفس إلى الأمان والتقدير، ويحتاج القلب إلى المودة، ويحتاج العقل إلى فسحة من الهدوء والتأمل. ولا تستقيم الحياة بكثرة ما نملك وحده، بل بما نجده فيها من معانٍ تمنح وجودنا قيمته، وبما نتبادله من رحمة واحترام وتعاون.

وللكلمة الطيبة أثر لا ينبغي الاستهانة به؛ فنحن نحتاجها في بيوتنا، حين تسود لغة التفاهم بين أفراد الأسرة، ويحل الحوار الهادئ محل الغضب، وتكون الكلمة الطيبة أسبق من العتاب القاسي.

ونحتاج إليها في علاقاتنا الاجتماعية، حين نحفظ للناس أقدارهم، ونراعي ظروفهم، ونلتمس لهم الأعذار ما استطعنا، وندرك أن وراء العديد من الوجوه المبتسمة حكايات لا نعرف تفاصيلها.

ونحتاج إليها في مجتمعاتنا، حين تتحول قيم التكافل من شعارات تُقال إلى أعمال تُرى؛ فنقف إلى جانب المحتاج، ونساند كبار السن، ونحترم أصحاب الظروف الخاصة، ونشجع الشباب، ونقدّر جهود العاملين، ونفتح أبواب الأمل أمام من أثقلته الصعوبات.

كما نحتاجها في بيئات العمل، حيث لا يكون النجاح محصورًا في الإنجاز وحده، بل يمتد إلى حسن المعاملة والإنصاف وتقدير الجهود وإتاحة الفرص والعمل بروح الفريق. فالكلمة المشجعة قد تبعث الحماس في نفس إنسان، والتقدير الصادق قد يعيد الثقة إلى قلب أنهكه الإحباط.

وهنا تتجلى مسؤوليتنا تجاه أنفسنا والآخرين؛ فلا نطالب من حولنا بما يفوق طاقتهم، ولا نحمل أنفسنا فوق ما تحتمل، ولا نجعل من ضغوط الحياة مبررًا للقسوة في التعامل. فالإنسان يحتاج إلى من يقدّر جهده، ويتفهم ظروفه، ويمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه دون أن يشعر بالتقصير.

وفي ظل ظروف الحياة وتعدد الالتزامات، تزداد أهمية أن نتعامل مع بعضنا بروح المسؤولية والرحمة، وأن ندرك أن التخفيف عن الآخرين لا يكون بالمال وحده؛ فقد يكون بالمشورة النافعة، أو بتيسير أمر، أو بتقديم خدمة، أو بمشاركة خبرة، أو بمجرد الإصغاء لمن يحتاج إلى من يسمعه دون لوم أو تقليل من شأن معاناته.

ولعل من الإنصاف أن نمنح أنفسنا شيئًا مما ندعو إلى منحه للآخرين؛ فلا نهمل راحتنا، ولا نؤجل احتياجاتنا النفسية والإنسانية إلى أجل غير معلوم. فالعطاء لا يعني أن نستنزف طاقاتنا، والوفاء بالمسؤوليات لا يقتضي أن نحرم أنفسنا من لحظات السكينة والرضا.

إن الحياة، مهما اشتدت ظروفها، لا تخلو من منافذ للنور، ولا تنقطع فيها فرص الخير. وقد لا نستطيع تغيير كل ما حولنا، لكننا نستطيع أن نخفف من قسوته، وأن نكون لبعضنا مصدر طمأنينة، وأن نصنع من المواقف الصغيرة ذكريات طيبة تبقى آثارها في النفوس.

فلنجعل من الكلمات الراقية وسيلة تُنعش القلوب، ومن أعمالنا أبوابًا للخير، ومن علاقاتنا مساحات للأمان، ومن اختلافاتنا فرصًا للتفاهم لا أسبابًا للخصام. ولنحرص على أن يكون حضورنا في حياة الآخرين إضافة جميلة، لا عبئًا جديدًا على أعبائهم.

ويبقى لأنفسنا حق في الراحة والطمأنينة، كما للآخرين حق في حسن المعاملة والتقدير. وما أجمل أن نوازن بين الحقين، فلا ننسى أنفسنا ونحن نهتم بالآخرين، ولا ننشغل بأنفسنا حتى نغفل عن حاجات من حولنا. فالحياة تصبح أجمل حين نمنح أنفسنا ما تستحق من عناية، ونترك في نفوس الآخرين أثرًا طيبًا لا يزول.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
د. حجي إبراهيم الزويد
[ الأحساء- السعودية ]: 30 / 10 / 2026م - 3:18 م
أحسنتم أستاذنا الفاضل، وأجدتم في هذا الطرح الإنساني الراقي الذي يلامس القلوب والوجدان.
لقد عبّرتم بصدق عن حقيقة جميلة، وهي أن راحة الإنسان لا تنفصل عن راحة من حوله.
فما أحوجنا إلى الكلمة الطيبة، والموقف النبيل، والمشاعر الصادقة التي تخفف عن الآخرين أعباء الحياة.
إن جمال العلاقات الإنسانية يتجلى في قدرتنا على بث الطمأنينة، ونشر المحبة، ومراعاة مشاعر الآخرين.
وقد أحسنتم التأكيد على أن السعادة لا تحتاج دائمًا إلى أحداث عظيمة، بل قد تصنعها أبسط المواقف وأصدقها.
بورك قلمكم الواعي وفكركم النير، ودام عطاؤكم الإنساني الذي يسمو بالذوق، ويوقظ في النفوس أجمل القيم.