آخر تحديث: 29 / 10 / 2026م - 6:22 م

اعتذارٌ عن يومٍ كنتُ فيه بخير

فوزي آل غريب *


تقول: «أنا بخير اليوم»، ثم تتأمّل الوجه المقابل، فتتردّد، كأنّ في الجملة ما يستدعي التصحيح. تضيف: ما زال بعض التعب، ولم أنم جيدًا، وربما يعود الوجع غدًا. وحين تشعر بأنّ كلامك صار أكثر قبولًا، تنتبه إلى ما فعلت: اعتذرت عن يومٍ واحدٍ لم تتألّم فيه.

أهناك قلوبٌ كالثقوب السوداء؟ تقترب منها وفي داخلك متّسعٌ لأمنية، ثم تجد نفسك مشدودًا إلى عتمةٍ تراجع فيها حقّك في ما تمنّيت. تحاول أن تستعيد خفّتك، فيثقل عليك سؤالٌ مألوف: ماذا فعلتُ هذه المرّة؟

لا يبدأ الأمر دائمًا بكلمةٍ قاسية. قد يأتي في تعليقٍ عابر، وأنت لا تزال تروي خبرك: «لا تتحمّس كثيرًا». ثم تتوالى الاحتمالات السيئة، حتى يبدو ما أسعدك سوء تقديرٍ منك. كنت تريد أن تشارك لحظةً جميلة، فإذا بك تشرح أنك تدرك صعوبة الحياة، وأنّ فرحتك الصغيرة لا تعني أنك غفلت عمّا قد ينتظرك.

ومع التكرار، تكتسب عادةً لم تكن تعرفها: تروي أخبارك بعد حذف أجمل ما فيها. تذكر ما حدث، وتسكت عمّا شعرت به. تقول إنّ أمنيتك تحقّقت بصوتٍ يصلح لقراءة موعدٍ على ورقة. أمّا الحماسة التي سهرت معك طويلًا، فتتركها خارج الحديث؛ فقد تعلّمت أنّ ظهورها سيكلّفك شرحًا لا طاقة لك به.

ثم تتسلّل هذه العادة إلى علاقتك بنفسك. تتوقّع الملاحظة قبل أن تسمعها، وتخفّف من ابتهاجك قبل أن يعترض عليه أحد. تجلس وحدك، ومع ذلك تتحفّظ في سعادتك، كأنّ عينًا تراقب مقدار ما أخذت من الحياة.

في تلك العتمة، تطول محاسبة النفس. تستعيد كلماتك ونبرة صوتك: هل بالغت؟ هل بدوت متفاخرًا؟ هل أغفلت ما يتعب الآخر؟ أسئلةٌ قد يكون لها موضعها، لكنها تستولي على الليلة كلّها، ولا تترك لك فسحةً تسأل فيها: لماذا أعقب كلّ خبرٍ جميلٍ بهذه المحاكمة؟

والخبر، أحيانًا، أصغر من هذا العناء بكثير.

لم تحصل على شيءٍ استثنائي. استيقظت فوجدت جسدك أهدأ، وأتممت فطورك دون أن يشغلك الألم عن مذاقه. فكّرت في مشوارٍ قصيرٍ كنت تؤجّله، ورغبت في الاتصال بأحدٍ لأنّ لديك، هذه المرّة، ما تقوله غير وصف التعب. وحين سألك عن حالك، أجبت بعفوية: «الحمد لله، اليوم أنا بخير».

كان ذلك كلّ ما في الأمر. يومٌ عاديّ، تمنّيته طويلًا.

ليس كلّ فتورٍ ضيقًا بسعادتك؛ فقد يصل خبرك إلى إنسانٍ أنهكه يومه، فلا يجد التعبير الذي تنتظره. ولا يحتاج الفرح إلى احتفال الآخرين كي يكتمل. إنما يوجعك أن يتكرّر الانتقاص حتى تألف توقّعه، وأن تغادر الحديث، كلّ مرّة، أقلّ رضا عن نعمةٍ كنت قبل قليلٍ تحمد الله عليها.

عندئذٍ يستحقّ هذا القرب أن تتأمّله: لماذا تستعدّ له بإخفاء ما تحبّ، وتخرج منه منشغلًا بإثبات أنك لم تطلب أكثر ممّا تستحقّ؟ وما الذي أبقى أثره في نفسك، حتى صرت تراجع فرحتك في غياب من اعتدت أن تراجعها أمامه؟

قد يتأخّر الجواب، وقد تحتاج إلى وقتٍ كي تروي خبرًا سعيدًا دون أن تتبعه بما يخفّفه. لكنّ البداية قد تكون في تلك اللحظة الصغيرة التي تنتبه فيها إلى الاستدراك قبل أن تقوله. تتوقّف، وتدع لليوم الطيّب مكانه، دون أن تستدعي وجع الأمس أو تستبق تعب الغد.

وفي المرّة التالية، حين يسألك أحدٌ عن حالك، تقول: «أنا بخير اليوم، الحمد لله».

توشك أن تضيف شيئًا عن التعب، ثم تسكت. تترك الجملة تامّةً، وتكمل حديثك عمّا أحببت في يومك.

وحين ينتهي الحديث، تجد أنّ فرحتك الصغيرة ما زالت معك.