الأديب محمد العلي.. رحيل الجسد وجدلية الإرث الفكري

رحل الأديب والمفكر والشاعر الأستاذ محمد عبد الله العلي «أبو عادل»، عن دنيانا بعد مسيرة امتدت لأكثر من تسعة عقود، حافلة بالتأمل الفكري والإبداع الأدبي والحضور الثقافي المتميز، تاركًا وراءه بصمة خاصة في المشهد الأدبي السعودي، ولا سيما في الأحساء والمنطقة الشرقية.
لم يكن رحيل محمد العلي مجرد غياب شاعر أو ناقد أو كاتب صحفي، بل كان مناسبة أعادت إلى الواجهة أسئلة ثقافية عميقة حول طبيعة الإرث الفكري، ومعايير تقييم المبدعين، والعلاقة بين غزارة الإنتاج وقيمة الأفكار، وبين الشهرة الحقيقية والحضور الإعلامي.
ولعل من المفارقات اللافتة أن الرجل الذي لم يكن مولعًا بالأضواء، ولا حريصًا على تصدر المشهد الثقافي، استطاع برحيله أن يثير نقاشًا واسعًا حول مكانته الأدبية والفكرية، وكأن حضوره بعد الغياب امتداد لطبيعته المثيرة للأسئلة والتأملات.
قد نختلف مع الراحل الكبير في بعض آرائه وقناعاته وتصريحاته، ونتحفظ على بعض مواقفه الفكرية، لكن ذلك لا ينبغي أن يدفعنا إلى إنكار دوره الأدبي والفكري، أو التقليل من قيمة ما قدمه للساحة الثقافية طوال عقود من حياته.
فالإنصاف يقتضي التمييز بين الاختلاف مع الأفكار وإنكار المنجزات، وبين نقد المواقف وإلغاء المكانة الأدبية والفكرية.
اختلفت الآراء حول حجم الإرث الثقافي الذي خلّفه محمد العلي؛ فهناك من يراه أحد أبرز الرموز الفكرية والأدبية في المنطقة، وصاحب رؤية نقدية متميزة، بينما يرى آخرون أن الاحتفاء به ينبغي ألا يتحول إلى مبالغة تتجاوز حقيقة إنتاجه المكتوب، الذي غلبت عليه المقالات الصحفية والمحاضرات والقصائد المحدودة نسبيًا، دون أن يترك مشروعًا بحثيًا أو أكاديميًا موسعًا بالمعنى التقليدي.
والواقع أن هذا الاختلاف يفتح بابًا مهمًا للتفريق بين حجم الإنتاج الثقافي وقيمته الفكرية؛ فليس كل مكثر من التأليف صاحب أثر عميق، كما أن قلة المؤلفات لا تعني بالضرورة ضآلة الفكر أو محدودية التأثير.
فقد يختصر المفكر في مقالة واحدة رؤية تستحق الدراسة، ويطرح في محاضرة قصيرة أسئلة تظل حاضرة في الوعي الثقافي سنوات طويلة.
ومن هنا، فإن الإنصاف يقتضي ألا نبالغ في تقدير تجربة العلي بدافع المحبة والوفاء، وألا نبخسها حقها لمجرد أنه لم يكن غزير التأليف.
من السمات اللافتة في شخصية محمد العلي عدم ميله إلى التأليف المطول، حتى نُقل عنه استغرابه ممن يمتلك الصبر والجلد على كتابة الكتب.
وقد انعكست هذه الطبيعة على إنتاجه الأدبي؛ إذ كانت المقالة الصحفية وسيلته الأبرز للتعبير عن أفكاره، بينما ظل إنتاجه الشعري محدودًا نسبيًا، رغم امتداد تجربته لعقود طويلة.
وقد بذل الأستاذان محمد الشقاق وحمزة الحمود جهودًا مشكورة في جمع شعره وإخراجه للقراء، رغم ما ذُكر عن محدودية تعاونه في جمع قصائده وتوثيق مناسباتها.
لم يكن محمد العلي من الأدباء المكثرين في إنتاجهم ونشر أعمالهم، لكنه تميز بعمق الرؤية ودقة التعبير والحرص على تكثيف المعاني والأفكار. فقد اتسمت كتاباته بالتأمل الفكري والنزعة النقدية، وابتعدت عن المباشرة والتبسيط، تاركةً للقارئ مجالًا واسعًا للتفكير والتفسير واستكشاف الدلالات الكامنة وراء النصوص.
ولذلك لم تكن قصائده مجرد تعبيرات وجدانية عابرة، بل حملت مضامين فكرية وفلسفية تستدعي القراءة المتأنية والتأمل المتكرر، وتكشف في كل قراءة عن أبعاد جديدة تتسع بتطور وعي القارئ وتراكم خبراته المعرفية والإنسانية.
أما مقالاته الصحفية فقد اتسمت بعمق الطرح ووضوح الرؤية، وبراعته في عرض القضايا الفكرية بأسلوب رصين يجمع بين سلاسة التعبير وكثافة المعنى ودقة التحليل.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف لمفكر يدرك قيمة الكلمة وأثرها أن يكون قليل الاكتراث بجمع نتاجه وحفظه للأجيال؟
هل كان ذلك زهدًا في الشهرة؟ أم طبيعة شخصية لا تميل إلى التوثيق؟ أم امتدادًا لصفة ارتبطت بكثير من علماء الأحساء وأدبائها الذين آثروا العمل الهادئ بعيدًا عن الأضواء؟
لعل الإجابة تكمن في اجتماع هذه العوامل، دون الجزم بدافع واحد.
وُلد محمد العلي في الأحساء عام 1932 م، وتلقى تعليمه الأول فيها، وحفظ القرآن الكريم، ثم انتقل إلى النجف، حيث درس العلوم الدينية، قبل أن يواصل تعليمه الأكاديمي ويحصل على البكالوريوس من كلية الفقه بجامعة بغداد عام 1962 م.
ولا شك أن هذه المرحلة أسهمت في تكوينه اللغوي والفكري، ومنحته أدوات مهمة في التعامل مع النصوص والمفاهيم والجدل والاستدلال.
غير أن اختزال شخصيته في خلفيته الحوزوية وحدها لا يقدم صورة دقيقة عن تجربته؛ فقد اتخذ لاحقًا مسارًا فكريًا وأدبيًا مختلفًا، وأصبحت شهرته مرتبطة بالشعر والنقد الثقافي والأسئلة الفلسفية والاجتماعية.
ومن الإنصاف الاعتراف بأثر تكوينه الديني المبكر في رصانة لغته وعمق ثقافته، دون إغفال التحولات الفكرية التي شكلت هويته الأدبية اللاحقة.
كما أن دراسة إنتاجه ينبغي أن تنطلق من قيمته الأدبية والنقدية والفكرية، بعيدًا عن تحويل الاختلاف مع بعض قناعاته الشخصية إلى معيار للحكم على إبداعه.
فالاختلاف الفكري لا يلغي الموهبة، كما أن الإعجاب بالموهبة لا يفرض الموافقة على جميع الآراء.
كان العلي صاحب رؤية مستقلة، لا يميل إلى المجاملة في كتاباته ومواقفه الأدبية، ويعبّر عما يؤمن به دون أن يجعل من إرضاء الآخرين غاية لإنتاجه.
ومع ذلك، لم يكن معروفًا عنه اتخاذ الصدام الاجتماعي منهجًا دائمًا، أو السعي إلى افتعال المواجهات مع محيطه بسبب قناعاته الخاصة.
إن احترام الراحل لا يعني تحصين أفكاره من النقد، ولكنه يقتضي الأمانة في نقل آرائه، والعدل في تفسير مواقفه، والتمييز بين النقد الفكري المشروع والإثارة التي لا تخدم المعرفة.
وبحسب شهادات عدد من الصحفيين الذين عاصروه وعملوا معه، فقد عُرف الراحل محمد العلي بهدوئه وحكمته ورزانة شخصيته، حتى في المواقف التي كانت تتخللها مداعبات ومواقف طريفة من الراحل محمد الوعيل، رئيس تحرير صحيفة «اليوم» الأسبق، والتي عكست طبيعة العلاقة الإنسانية والمهنية المتميزة التي جمعتهما، والقائمة على الألفة والمودة والاحترام والتقدير المتبادل.
وكان العلي قليل الكلام، كثير الإصغاء، يفضّل الاستماع على الاسترسال في الحديث، ويجد في الصمت مساحة للتأمل والتفكير، بينما ظل القلم رفيقه الدائم.
وهكذا جمع بين عمق الفكر وهدوء الطبع، وبين ثراء الثقافة وبساطة الحضور، فكان حاضرًا بأفكاره أكثر من صوته، وبقلمه أكثر من حديثه.
على الرغم من حضوره الشعري، فإن المقالة كانت المجال الأكثر اتساعًا لتجربة محمد العلي، ومن خلالها تناول قضايا الثقافة والوجود والقيم والمجتمع والتنوير.
وقد جُمعت أعماله في إصدارات متعددة، منها «كلمات مائية»، و«هموم الضوء»، و«نمو المفاهيم»، و«البئر المستحيلة»، و«حلقات أولمبية»، إلى جانب دواوينه الشعرية، ومنها «لا ماء في الماء» و«درس البحر».
وتكشف هذه العناوين عن تنوع اهتماماته، وإن كان كثير من محتواها قد ظهر أولًا في الصحافة أو المحاضرات قبل جمعه في كتب.
وهذا يؤكد أن محدودية التأليف المباشر لا تعني انعدام المؤلفات المنشورة، بل تستدعي التمييز بين الكتاب المؤلَّف بوصفه مشروعًا متكاملًا، والكتاب الذي يجمع مواد سبق نشرها.
شكّل الحس الوطني بُعدًا أصيلًا في تجربة محمد العلي، الذي ارتبط بوطنه ارتباطًا وجدانيًا وثقافيًا عميقًا، وجعل من قضاياه الاجتماعية والفكرية والإنسانية محورًا مهمًا في كتاباته.
ولم يكن انتماؤه الوطني مجرد شعارات عاطفية، بل تجلّى في اهتمامه بقضايا المجتمع السعودي، وسعيه إلى تنمية الوعي، وتعزيز التفكير العقلاني، وإثارة الأسئلة الحضارية التي تسهم في تطوير الإنسان والمجتمع.
وبرز اهتمامه بقضايا الوعي والتنوير من خلال زاويته الشهيرة «كلمات مائية» في صحيفة «اليوم».
ولم تقتصر إسهاماته على المجالين الأدبي والفكري، بل امتدت إلى ميدان التربية والتعليم، الذي أمضى فيه سنوات طويلة من حياته، متنقلًا بين التدريس والعمل الإداري والإشراف التربوي في المنطقة الشرقية والهيئة الملكية بالجبيل.
وهكذا جمعت تجربته بين ثلاثة أبعاد متكاملة: الأديب الذي عبّر عن وجدان الإنسان، والمفكر الذي أثار أسئلة الوعي والتنوير، والمربي الذي أسهم في خدمة التعليم وبناء الأجيال.
في لقاءاته مع الأحبال الشابة، كان الأديب الأديب والمفكر الراحل محمد العلي يدعو الأجيال الشابة إلى أهمية القراءة الواسعة والاطلاع على تجارب كبار الشعراء العرب، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بناء الموهبة الأدبية وصقل التجربة الإبداعية.
وكان يشدد على أن الإبداع الشعري لا ينمو بمعزل عن المعرفة والاطلاع على التراث الأدبي، وأن الشاعر المتميز هو من يجمع بين موهبته الذاتية وثقافته الواسعة واستيعابه لتجارب من سبقوه.
كما دعا الشباب إلى الاستفادة من التجارب الشعرية البارزة، مؤكدًا أن قراءة أعمال كبار المبدعين تسهم في تنمية الحس الأدبي، وتوسيع الآفاق الفكرية، وتطوير أدوات التعبير الشعري، وبناء شخصية إبداعية مستقلة.
حظي محمد العلي بتكريمات أدبية مهمة، منها إطلاق اسمه على الدورة الأولى من مهرجان الشعر بالدمام عام 2015 م، وحصوله على جائزة الأمير عبد الله الفيصل العالمية للشعر العربي عام 2022 م عن تجربته الشعرية.
غير أن التكريم الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند الاحتفاء والمراثي، بل يتجاوز ذلك إلى دراسة إنتاجه وتحقيق نصوصه وتوثيق قصائده ومناسباتها، وتحليل رؤيته النقدية وقياس أثره في الأجيال اللاحقة.
لقد شكّلت تجربة العلي مدرسة متميزة في المشهد الأدبي والفكري، بما انطوت عليه من عمق معرفي ورؤية نقدية وجرأة في طرح الأسئلة ومناقشة القضايا الثقافية والاجتماعية والفلسفية.
غير أن جانبًا مهمًا من إنتاجه ظل مبثوثًا في مقالات ومحاضرات وأوراق ثقافية اتسم كثير منها بالتكثيف والاختزال، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى جهود علمية تتولى تفكيك مضامينها، وتحليل مرتكزاتها المعرفية، والكشف عن أبعادها الفلسفية والنقدية.
وتبدو الدراسات المتخصصة في خطابه الفكري محدودة قياسًا بتنوع القضايا التي أثارها وامتداد تجربته، مما يفتح المجال أمام الباحثين لإعادة قراءة إنتاجه قراءة منهجية لا تكتفي بالإشادة والانطباعات العامة، بل تتجه إلى التحليل والمساءلة والمقارنة والنقد الموضوعي.
فالمبدع الكبير لا يحتاج إلى المبالغة لإثبات قيمته، وإنما إلى قراءة علمية منصفة تكشف عناصر قوته وحدود تجربته.
رحل محمد العلي، وبقيت تجربته مفتوحة على قراءات متعددة، بين من يحتفي بعمق أفكاره، ومن يتساءل عن حجم إنجازه المكتوب، ومن يرى فيه نموذجًا للمثقف الأحسائي الذي آثر الظل على الأضواء.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها تذكرنا بأن قيمة الإنسان لا تُختزل في عدد كتبه، ولا في حجم شهرته، ولا في مقدار الاتفاق مع آرائه، وإنما في الأثر الذي يتركه، والأسئلة التي يثيرها، والمساحات التي يفتحها أمام التفكير والحوار.
ولعل الوفاء الحقيقي لهذا الأديب والمفكر لا يكمن في المبالغة في تمجيده أو الاكتفاء باستحضار ذكراه، وإنما في تحويل إرثه الفكري والأدبي إلى موضوع للدراسة والبحث والنقد، بما يكشف عن جوانب إبداعه، ويحدد حدود تجربته، ويتيح للأجيال القادمة الإفادة من رؤاه وأفكاره.
وهكذا هم أصحاب الحضور الفكري المتميز؛ قد يغيبون بأجسادهم، لكنهم يظلون حاضرين في الذاكرة الثقافية، وفي اختلاف القراءات، وفي الأسئلة التي لا تنتهي.
فالمفكرون الكبار لا تُقاس قيمتهم بما تركوه من إجابات فحسب، بل أيضًا بما أثاروه من أسئلة، وما فتحوه من آفاق جديدة للتفكير والمعرفة.
رحم الله أبا عادل رحمة واسعة، وجزاه خيرًا عما قدمه للأدب والثقافة، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.












