آخر تحديث: 29 / 10 / 2026م - 12:48 ص

كيف نفكك السرديات المعلبة؟

الدكتور عبد الله فيصل آل ربح * صحيفة الشرق الأوسط

بعد الوقوف على أهمية بناء المناعة المعرفية بوصفها جدار الحماية المؤسسي للفضاء العام، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى هذه المنظومة إن لم تكتمل بوعي فردي يحرسها ويفعّل أدواتها. فالمعركة الحقيقية للوعي لا تُحسم حصراً في قاعات مراكز الأبحاث أو داخل الاستوديوهات - ولو كانت رصينة - بل تبلغ ذروتها في عقل المتلقي ذاته. إن التحصين المؤسسي يظل جهداً منقوصاً ما لم يقترن بممارسة ذهنية يومية تُحول الفرد من مستهلك سلبي للمعلومة إلى فاعل نقدي يمتلك أدوات التفكيك ويتمتع بالاستقلالية الفكرية.

تتجلى الإشكالية الكبرى في ميل شريحة واسعة من الجمهور إلى استهلاك الإجابات الجاهزة التي يقدمها بعض متصدري المشهد الإعلامي، هرباً من الجهد الذهني الذي يتطلبه البحث والتقصي. وفي ظل فضاء رقمي يعجّ بالضجيج، تتعزز حالة التسليم المطلق للسرديات الشائعة، حيث يذوب الرأي الفردي في مسار التفكير الجمعي، أو ما يُعرف ب«الترند». هذا الركون إلى التفسيرات المعلبة يوفر للمتلقي انتماءً وهمياً وراحة نفسية مؤقتة، ولكنه في جوهره يعطل ملكة التفكير، ويجعل العقل الجمعي فريسة سهلة للخطابات العاطفية والتوجيه الآيديولوجي.

لتجاوز حالة الكسل الذهني، تبرز الحاجة الملحة إلى تفعيل سلطة السؤال النقدي بوصفه المصفاة الأولى لإسقاط الأوهام. إن الانتقال من عقلية المتلقي الذي يبحث عمَّا يُرضي عاطفته، إلى عقلية المتلقي الذي يتساءل عن أدوات المحلل ومنهجيته، يشكل نقطة التحول الأساسية. فالسؤال عن دوافع الطرح، وعن مدى تطابق التحليل مع المعطيات الميدانية الصلبة بدلاً من الاعتماد على البلاغة اللفظية، يكسر هالة التلقين. حينها، لا يعود المتلقي يبحث عن التطمين، بل عن تفسير موضوعي للواقع، مهما بدا معقداً أو عصياً على الاستيعاب.

إن بلوغ هذه المرحلة يتطلب شجاعة في ممارسة الاستقلالية الفكرية والتحرر من ضغط المجتمع. ولا تعني هذه الاستقلالية التمرد العبثي على الحقائق، بل تعني الوقوف بثبات خارج مسار الاندفاع العاطفي الذي يسير فيه المجموع. وتتجلى أسمى صور هذه الاستقلالية في امتلاك الفرد لشجاعة الإقرار بالقصور المعرفي؛ أي القدرة على الإقرار بنقص المعلومات أو عدم الإلمام بأهم جوانب الحدث، بدلاً من التورط في تبني مواقف قطعية متسرعة تُبنى على الانفعال وتفتقر إلى الأرضية المعرفية الصلبة.

في المحصّلة، إن المجتمعات التي تسود فيها ثقافة السؤال النقدي وتتجذر فيها الاستقلالية الفكرية، تغدو عصية على الاختراق ومحصنة ضد حروب التضليل. فالفضاء العام يُحمى بتسليح المواطن بأدوات التفكير المنهجي. وحين يقوم الفرد بتصفية ما يتعرض له من معلومات وتحليلات بشكل نقدي، فإنه يبني بذلك الجدار الأخير والأكثر صلابة في حماية استقرار وطنه وصيانة مستقبله.

أستاذ علم الاجتماع الديني والنظرية الاجتماعية بجامعة جراند فالي