كلُّ عامٍ وأنا بخير

اليوم،
سأتركُ مقعدًا للفرح،
وأفتحُ النافذة
ليدخلَ الصباحُ كما يشاء،
دون أن يسألني
عمّا فعلتُ بسنواتي؛
فبعضُ العمرِ عشتُه،
وبعضُه مضى
وأنا أتعلّمُ كيف أعيش.
سأرتدي ما أحبّ،
وألتقطُ صورةً
لا أخفي فيها ضحكتي،
ولا أستعينُ بالضوء
على محوِ ما كتبتْه الأيامُ
على وجهي؛
لي في هذه الملامحِ عمرٌ
لا أريدُ أن أغيبَ عنه.
سأنظرُ إلى نفسي طويلًا،
وأقول:
أعرفُ كم مرّةً
خرجتَ إلى الناسِ متماسكًا،
وتركتَ تعبَكَ خلفَ الباب،
وكم تمنّيتَ
أن يُفسحَ لك أحدٌ مكانًا،
ويقول:
تعالَ،
يمكنُك أن تستريح.
اليومَ عيدُ ميلادي،
ولي أن أفرحَ
دون أن أُقدّمَ للحياة
دليلًا على استحقاقي.
أن أفرحَ برسالةٍ سبقتْ يقظتي،
وبصوتٍ أعرفُ دفءَ اسمي فيه،
وبقطعةِ كعكٍ
أتمهّلُ في آخرِ لقمةٍ منها،
وأتركُ للحلاوةِ وقتَها.
وكانَ لي في مثلِ هذا اليومِ
قلبٌ يتذكّرني
قبلَ أن تُذكّرهُ التقاويم،
ويُخبّئُ لي من الفرحِ
ما يجعلُ عامًا كاملًا
أخفَّ على روحي.
كانَ هناكَ مَن ينتظرُ ميلادي
كأنّهُ موعدٌ يخصُّ قلبَه،
ويُشعلُ لي من المحبّةِ
ما لا تُضيئُهُ الشموع.
واليومَ…
ما زالَ التاريخُ كما هو،
لكنَّ أحدًا تغيّر؛
لم ينسَ الطريقَ إليَّ،
وإنّما اختارَ طريقًا آخر،
وتركَ في قلبي مكانًا
كانَ يعرفُ كيف يملؤه،
ثم مضى
ليصنعَ لنفسهِ مكانًا
في قلبٍ سواي.
لا أعاتبُ الغيابَ،
لكنّني كلّما أقبلَ هذا اليومُ
تذكّرتُ أنَّ بعضَ الذينَ
كانوا يحتفلونَ بميلادِنا،
يتركونَ فينا بعدَ رحيلِهم
عمرًا لا نعرفُ
كيف نحتفلُ به.
ومعَ ذلك…
سأُشعلُ شمعتي،
وأتركُ للمقعدِ الخالي
حقَّهُ في الذاكرة،
ولقلبي حقَّهُ
في أن يفرحَ
ولو بشيءٍ من الحنين.
لقد استعجلتُ أشياءَ كثيرةً،
حتى الفرح؛
كنتُ أنهضُ من مائدتِه
قبل أن أشبع،
كأنّ القلقَ ينتظرُني
ولا يليقُ أن أتأخّرَ عليه.
سأضعُ أمنيةً قربَ الشمعة،
وأحمي لهبَها بكفّي؛
كم واجهتُ الريحَ
بقبضةٍ مشدودة،
وها أنا أتعلّمُ
أن أجعلَ من يدي
مأوًى لضوءٍ صغير.
وحين أُغمضُ عينيّ،
سأتمنّى أيامًا
لا أؤجّلُ فيها حياتي
إلى أن يصيرَ كلُّ شيءٍ
على ما يرام؛
فكم مرّةً جاءني الفرحُ،
فقلتُ له: انتظرْ،
حتى أفرغَ من خوفي.
سأتمنّى وقتًا
لقهوةٍ على مهل،
ولطريقٍ أسلكُه
لأنني أريدُ أن أرى
إلى أين يمضي،
ولضحكةٍ تفاجئني
فأميلُ من شدّتِها على كتفِ صديق،
وأتركُ هيبتي
تستريحُ قليلًا.
ثم أنفخُ الشمعة،
وأرفعُ رأسي مبتسمًا؛
يمضي عامٌ من عمري،
ويتّضحُ لي أكثرَ
لِمَن أفتحُ وقتي،
وما الذي يستحقُّ
أن أُقيمَ فيه.
ما زال في القلبِ متّسع،
وعلى الطاولةِ مكان،
ولي بينَ مَن أحبُّ
عمرٌ
لا يعرفُ التقويمُ
كيف يَعُدُّه.
اليومَ عيدُ ميلادي…
كلُّ عامٍ وأنا بخير،
وإن لم أكنْ بخيرٍ دائمًا.
كلُّ عامٍ
وأنا أُحسنُ استقبالَ نفسي،
وأكفُّ عن الوقوفِ على بابها
كأنني ضيفٌ
ينتظرُ الإذنَ بالدخول.
كلُّ عامٍ
وأنا أدخلُ حياتي
بِمَحَبَّةٍ،
وأُقيمُ فيها.












