آخر تحديث: 27 / 10 / 2026م - 10:30 م

قصة كوميدية بطعم الحمية «11»

أبو علي... أمام باب عيادة التغذية!

رضي منصور العسيف *


خرج أبو علي من عيادة الطبيب، وفي يده ورقة التحويل، وكأنها استدعاءٌ إلى لجنة تحقيق جديدة!

ظل ينظر إليها وهو يتمتم:

— عيادة التغذية...

يا تُرى ماذا ينتظرني هناك؟

سار بخطواتٍ مترددة نحو العيادة، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسه.

قال في نفسه:

— أعرف ما سيحدث...

ستجلس أمامي، ثم تفتح ملفًا كبيرًا، وتبدأ بعباراتها المعتادة:

”هذا ممنوع... وهذا ممنوع... وهذا ممنوع أيضًا!“

ثم ستسلّمني قائمةً طويلة لا تنتهي، وكأن الطعام كله قد دخل في قائمة المطلوبين!

وتقول في النهاية:

— المسموح لك هو الماء... وإذا أحسست بالجوع، فكُل الخس!

تنهد وقال:

— يبدو أن حياتي ستتحول إلى مزرعة!

ثم ابتسم ساخرًا من نفسه وقال:

— يا أبا علي... منذ أشهر وأنت تحارب الخبز، ثم الأرز، ثم اللحم... واليوم يبدو أن الدور سيأتي على بقية الطعام!

كان يظن أن عيادة التغذية مكانٌ تُوزَّع فيه قوائم الحرمان، وأن أخصائي التغذية لا يعرف من الكلمات إلا:

”لا تأكل... ابتعد... ممنوع!“

ولم يخطر بباله يومًا أن التغذية قد تكون علمًا، وأن الحمية قد تكون أسلوب حياة، لا سجنًا للطعام.

كلما اقترب من العيادة، ازداد تردده.

حتى إنه فكّر للحظة في العودة إلى البيت، ثم الاتصال بالطبيب وإخباره أن ورقة التحويل قد ضاعت!

وصل إلى قسم العيادات، فرأى إحدى الممرضات.

اقترب منها وسألها:

— لو سمحتِ... أين عيادة التغذية؟

ابتسمت الممرضة، وأشارت إلى آخر الممر، وقالت:

— هناك... آخر باب على اليمين.

شكرها ومضى.

وفي داخله، شعر وكأن ابتسامتها تقول له:

”اذهب... فلعلهم ينجحون فيما فشل فيه الميزان!“

وصل إلى باب العيادة...

وتوقف.

نظر إلى اللوحة المعلّقة على الباب.

ثم إلى ورقة التحويل.

ثم عاد ينظر إلى الباب مرةً أخرى.

وقال في نفسه:

— ماذا لو استقبلتني بالعتاب؟

ربما تقول:

”بعد كل هذه الحروب مع الطعام... تذكرتنا الآن؟!“

وربما تنظر إلى ملفي، ثم تهز رأسها قائلة:

”لو جئت من البداية، لما أعلنت الحرب على الخبز، ثم عقدت هدنة معه، ثم دخلت في معركة مع اللحم، وانتهى بك الأمر إلى النقرس!“

بدأ أبو علي يتدرّب على الردود قبل أن يدخل.

— سأقول لها: نعم... أخطأت.

لا...

بل سأقول: الإنسان يتعلّم من أخطائه.

أو ربما أبتسم فقط...

فالابتسامة أحيانًا أرخص من الاعتذار!

وبينما كان غارقًا في حواره الداخلي...

انفتح باب العيادة فجأة.

وخرجت سيدة، وكادت أن تصطدم به.

اعتذر بسرعة، ثم تنحّى جانبًا.

ولاحظ أن ملامحها توحي بالصحة والنشاط، وأن وزنها يبدو طبيعيًا.

قال في نفسه متعجبًا:

— سبحان الله...

حتى أصحاب الوزن الطبيعي يراجعون عيادة التغذية؟!

إذن يبدو أن الأمر ليس كما كنت أظن...

وقبل أن يُكمل أفكاره...

خرجت من العيادة سيدة ترتدي معطفًا طبيًا أبيض، تعلو وجهها ابتسامة هادئة، وتفيض ملامحها بالطمأنينة والود.

لم تكن تحمل قائمةً بالممنوعات، ولا تبدو عليها ملامح القاضي الذي يستعد لإصدار الأحكام، بل كان في حديثها هدوءٌ يبعث على الارتياح.

ابتسمت وقالت بلطف:

— عفوًا... هل لديك موعد معنا في عيادة التغذية؟

أخرج أبو علي ورقة التحويل من جيبه وقال:

— نعم دكتورة... عندي موعد معكم.

ثم أضاف بسرعة:

— لكن لا بأس... حتى لو كان الموعد بعد شهر، أو شهرين... أنا صبور، وأعرف أن عيادات التغذية مزدحمة!

ابتسمت الأخصائية وقالت:

— ومن قال إن الموعد بعد شهر؟

إذا أردت... تفضّل الآن.

لا يوجد أي مراجع في هذه اللحظة، ويمكننا استقبالك مباشرة.

تجمّد أبو علي في مكانه.

وقال في نفسه:

— الآن؟!

بهذه السرعة؟!

حتى المحامي يحتاج إلى وقت قبل جلسة التحقيق!

ثم أخذ يبحث في ذاكرته عن أي عذرٍ ينقذه.

قال في نفسه:

— هل أقول لها إن عندي موعدًا مهمًا؟

لا...

ماذا لو سألتني: مع من؟

أقول إنني مستعجل؟

لكن... إلى أين؟

نظر إلى ساعته...

ثم إلى باب العيادة...

ثم إلى ورقة التحويل...

وكأنها لن تغيّر رأيها!

وقال في نفسه:

— يبدو أن الدكتورة مستعجلة لفتح ملف القضية!

ولم تترك لي حتى فرصةً لأحضّر دفاعي!

ابتسمت الأخصائية مرةً أخرى، وقالت بهدوء:

— تفضّل يا أستاذ أبو علي... لا تقلق.

لن يستغرق الأمر طويلًا.

ابتلع ريقه...

وأخذ نفسًا عميقًا...

ثم قال وهو يدخل بخطواتٍ مترددة:

— بسم الله...

اللهم اجعلها جلسةً بلا قائمةٍ طويلة من الممنوعات!

*وصفة صحية*

لا تخشَ زيارة أخصائي التغذية العلاجية؛ فدوره ليس حرمانك من الطعام أو تقديم قائمة طويلة من الممنوعات، بل مساعدتك على اختيار غذاء متوازن يناسب حالتك الصحية واحتياجاتك، ويجعلك تستمتع بالطعام دون إفراط أو حرمان. فالحمية الناجحة ليست عقوبة مؤقتة، بل أسلوب حياة صحي ومستدام.

وللقصة بقية...

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف