آخر تحديث: 27 / 10 / 2026م - 12:47 م

قبل أن يجف القلم

المهندس أمير الصالح *


ليس كل منا لديه وفرة من المال، ولكن حتمًا لكل منا قدرات ومواهب ومعارف معينة يمكنه بها أن يزكي نفسه عبر تعليمها أو كتابتها أو توثيقها للآخرين، فينال الأجر وحسن المثوبة من الله. فهل فكرت يومًا فيما تملك وكيف تمد يد العون والمساعدة للآخرين عبر المال أو الكلمة أو المعرفة أو العلاقات الإنسانية؟!

ركائز القيم

يركز العالم الاستهلاكي على مؤشر سلة CPI للسلع الغذائية الأساسية لقراءة معدل التضخم في العملات في كل دولة، والاستدلال على القوة الشرائية للعملات بناءً على دخل الأفراد في مختلف المجتمعات. أما في عالم أهل العرفان والرحمة والإيمان، فإن الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية والمرويات الشريفة عن أهل البيت هي الركائز المعتمدة عند الأغلب منهم في تحديد بوصلة تحركهم وانطلاقهم في الحياة لكسب الدنيا والآخرة معًا. ونذكر من تلكم المنابع بعض الآيات القرآنية التالية:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100].

وقال جل جلاله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]. وقال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 23-24].

ونورد الحديث التالي، قال النبي ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

ونورد ما ورد عن لسان الإمام علي، أمير المؤمنين «صلوات الله عليه»، قوله:

إن ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة مثل له ماله وولده وعمله،

فيلتفت إلى ماله فيقول: والله إني كنت عليك حريصًا شحيحًا، فمالي عندك؟

فيقول: خذ مني كفنك،

قال: فيلتفت إلى ولده فيقول: والله إني كنت لكم محبًا وإني كنت عليكم محاميًا، فماذا لي عندكم؟

فيقولون: نؤديك إلى حفرتك نواريك فيها،

قال: فيلتفت إلى عمله فيقول: والله إني كنت فيك لزاهدًا، وإن كنت عليّ لثقيلًا، فماذا عندك؟

فيقول: أنا قرينك في قبرك ويوم نشرك حتى أعرض أنا وأنت على ربك.

حديث اليوم

تهافت الناس في مجتمعاتنا حديثًا لتبادل نماذج الحواسيب في حساب انعكاس ارتفاع أسعار الوقود والمياه على جيوبهم، وقبلها تسابقت الشركات لحساب ارتداد الحرب الجمركية العالمية على أسعار السلع والتوريدات والتصنيع؛ وقبل ذلك يتدارس ويدرس كل بنوك العالم وشركات التطوير العمراني انعكاس مؤشر سعر الفائدة على القروض وخدمة الدين.

مبادرات تصنع أثرًا طيبًا

«خير المال ما أُنفق على العيال» الإمام الحسين ، وهذا الحديث يحفز كل أب وكل أخ وكل صاحب يد عليا إلى إعادة جدولة الإنفاق لديه ليشمل كل أفراد أسرته وحتى إخوانه وأخواته، والأقرب فالأقرب بالقدر المستطاع.

فالحياة ستمر كما مرت على الإنسان السابق، وعادة تكون مليئة بمختلف التحديات والمنعطفات والأحداث والمتطلبات، ويكون فيها الإنسان بين تجاذبات يومه في الدنيا وبين سعيه لإنجاح يومه في الآخرة؛ وكلاهما يتطلب منه ويطلبه. ولا سبيل للإنسان إلا إجادة هندسة التوازن بين عالم يعيشه وعالم غيب سيرتحل إليه.

ولعل من المبادرات الجيدة مع تصاعد فواتير تكاليف المعيشة في كل أرجاء المعمورة هو تحسس أحوال الأقرب فالأقرب من أهل كل شخص، والمساهمة المالية والمعنوية بجزء معقول ومعتد به لتخفيف آلام الصدمات والتحديات وغلاء المعيشة وتغيرات أسواق العمل.

نعم، حب جمع المال رغبة من ضمن رغبات وشهوات عدة يعيشها الإنسان، إلا أن تعزيز خصال الجود والكرم والعطاء والبذل في سبيل الله والإحسان للمحيطين «الأقرب فالأقرب» تتطلب جهودًا كبيرة للتغلب على تلكم الرغبة والأنانية الفردية. ولعل مقترح مبادرة «اشدد عضدك بأخيك» لإظهار التضامن المالي مع الأقارب هو عنوان يليق بالمجتمع الواعي في تبنيه وتفعيله. ونهمس في أذن الميسورين، ونقول: استغلوا فترة الحياة الدنيا ما دام قلم الأعمال لا يزال سيالًا ويكتب ثمرة أعمالكم ومبادراتكم وجميل أفعالكم. فإن قلم الكرام الكاتبين يبقى رطبًا حتى بعد موت الباذل مالًا وعلمًا وتربيةً وأوقافًا، ليستمر في كتابة الأعمال الصالحة لكم.

والمبادرة المقترحة «شد عضد أخيك» حسب القدرة والإمكانات والمعرفة؛ فالبعض لديه قدرة مالية، والبعض لديه قدرات علمية، والبعض لديه قدرات قضاء حوائج الناس ومساعدتهم عبر العلاقات، والبعض لديه قلم نافع وسيال، والبعض يجيد فنون إيصال الأفكار السامية عبر الكتابة الرصينة ومقاطع الفيديو النافعة، والبعض يعبر من خلال الكلمات التحفيزية الطيبة. ويستطيع البعض أن يدمج بعض أو كل تلكم الأعمال النبيلة ليتنوع في حقول العطاء وصناعة الإحسان.

حقول زراعة الخير

لعل الأغلب الأعم من الناس يعتقدون بأن شهر رمضان هو شهر العطاء، حيث توزيع المؤن الغذائية ونصب خيام الرحمن لتفطير الصائمين وإخراج صدقات ليالي القدر المحتملة لمضاعفة الحسنات؛ إلا أن الأمر يشمل ويزيد عن تلكم الموارد، وجزى الله المتبرعين كل خير، إلى موارد أخرى. ولذا أبواب العطاء وصنع الإحسان من أبواب الوقف الإسلامي، وأبواب تزكية العلم، وأبواب المبادرات، وأبواب تبني المشاريع، وإلقاء ندوات صحية وتوعوية مختلفة، مشرعة أبوابها لكل من يحملون بذرات الخير والعطاء في قلوبهم، والعلم والمعلومة الصحيحة في عقولهم، وعلى مدار أيام السنة.

ختامًا، المؤمن يقينًا يعيش يومه ويستشرف آخرته ويدعو ليل نهار بحسن العاقبة. وحسن العاقبة يُصنع في الدنيا، وتُقطف الثمرة في الآخرة. والمبادرات المالية داخل الأسر إذا تم إنجازها بصمت ودون ضجيج إعلامي أو تغطية صحفية أو نشر لصور، حتمًا ستكون أزكى وأنمى وأنجع لحفظ كرامة الجميع.