ماذا لو؟ حين لا يبيعون المنتج… بل الطمأنينة

تقرر شراء سيارة جديدة، فتقارن الأسعار والمواصفات، وتجد سيارة أعجبتك من علامة حديثة في السوق. تسأل صديقًا عن رأيه، فيقول:
- السيارة ممتازة… بس بعد خمس سنوات، من وين تجيب قطع غيارها؟
لم يقل إن السيارة سيئة، ولم يقدم دليلًا على أن قطع غيارها ستختفي. لكنه وضع في رأسك سؤالًا لم يكن موجودًا قبل دقائق.
وفجأة، لم تعد تفكر في مواصفات السيارة وسعرها فقط، بل في احتمال أن تندم على شرائها.
هل كان صديقك ينصحك فعلًا، أم أنه زرع في نفسك خوفًا لم يكن لديك؟
قد يكون محقًا في التحذير، وقد يكون مجرد متوجس من علامة لا يعرفها. لكن السؤال، بمجرد طرحه، يستطيع أن يغيّر طريقة تفكيرك في القرار كله.
هذه الطريقة في التأثير لها اسم معروف في عالم الأعمال والتسويق: FUD, اختصار لـ Fear, Uncertainty and Doubt, أي الخوف وعدم اليقين والشك.
وقد عرفتها عن قرب، لا من الكتب، بل من تجربتين مهنيتين وقفت فيهما على طرفي المنافسة.
في أواخر التسعينات، وخلال عملي في قطاع تقنية المعلومات، كانت إحدى الشركات الكبرى بصدد إبرام اتفاقية لشراء عدد كبير من أجهزة الكمبيوتر الشخصية. وكان أقوى منافس لنا على الصفقة شركة صغيرة نسبيًا وحديثة العهد بالسوق.
كان من الممكن أن ندخل معها في المقارنة التقليدية: المواصفات، الأداء، السعر، والخدمات. لكن هناك ساحة أخرى للمنافسة أكثر تأثيرًا.
كنا نطرح على العميل أسئلة من نوع مختلف:
هل تستطيعون الاعتماد على دعم هذه الشركة عندما تحتاجون إليه فعلًا، وخصوصًا في أوقات الطوارئ؟
هل ستكون موجودة في السوق بعد عشر سنوات؟
وهل تملك الموارد اللازمة للاستمرار في تطوير منتجاتها؟
لم نكن نقول إن المنافس سيفشل، ولم نكن نملك دليلًا على أنه لن يكون موجودًا بعد عشر سنوات. وربما كان قادرًا فعلًا على تقديم دعم ممتاز. لكن هذه الأسئلة كانت كافية لتجعل العميل يعيد النظر في حجم المخاطرة التي قد يتحملها.
ماذا لو حدثت أزمة ولم يجد الدعم؟ ماذا لو اختفت الشركة؟ ماذا لو توقف تطوير المنتج الذي سيعتمد عليه؟
وللمصطلح مفارقة تستحق أن تُروى. فمن أشاع استخدام FUD بهذا المعنى في صناعة الحاسوب عام 1975 هو جين أمدال «Gene Amdahl»، أحد أبرز مهندسي IBM, بعد أن ترك الشركة ليؤسس شركته المنافسة لها. استخدمه ليصف ما كان يواجهه من مندوبي IBM الذين يزرعون الشك في نفوس العملاء المحتملين تجاه التعامل مع شركة أصغر وأحدث عهدًا.
أي أن المصطلح اشتهر من المشهد نفسه الذي رويته، ولكن من الضفة المقابلة.
وبعد سنوات، أكملت الحياة الدائرة معي بطريقة لم أتوقعها.
فحين كنت ضمن الفريق المؤسس لشركة موبايلي، ودخلنا سوق الاتصالات المتنقلة كمشغل جديد في مواجهة شركة الاتصالات السعودية STC, صرنا نحن من يتلقى الأسئلة:
هل عندهم تغطية؟ هل شبكتهم قوية؟ هل عندهم دعم فني؟ هل يفهمون السوق السعودي أصلًا؟
في IBM كنا نزرع الشك في الجديد. وفي موبايلي كنا نحن الجديد.
هذه المرة لم يكن يكفي أن نقول للعميل: ”ثق بنا“؛ فالثقة هي بالضبط ما كان يطلب منا إثباته.
قبلنا التحدي، وكنا نجري تجارب ميدانية أمام العملاء لإثبات جودة التغطية، بدل الاكتفاء بالحديث عنها. كان العميل يستطيع أن يختبر الشبكة بنفسه، وأن يحكم على ما يراه ويسمعه، لا على ما نعده به.
فالخوف المبهم لا يهزمه إلا دليل محدد.
ولم تقتصر المواجهة على اللقاءات المباشرة. ففي مايو 2008 أطلقت موبايلي حملتها الإعلانية الشهيرة ”غطيناها“، التي أبرزت اتساع تغطيتها في المملكة، إلى جانب خدماتها وانتشار نقاط البيع.
كان الفرق واضحًا بين أن تطلب من العميل أن يصدقك، وأن تتيح له أن يختبر بنفسه ما تقوله.
وعندها عرفت FUD من الجهة الأخرى. أدركت أن الشك لا يحتاج إلى مهارة كبيرة ليُزرع، أما الطمأنينة فتُبنى بالبراهين، ببطء، واحدًا بعد الآخر.
لكن لماذا تنجح هذه الطريقة أصلًا؟
لأن الإنسان حين يتخذ قرارًا كبيرًا لا يحسب المكاسب وحدها. هناك سؤال آخر يعمل في الخلفية: ماذا سيحدث إذا كنت مخطئًا؟
وهنا يدخل علم النفس إلى غرفة المبيعات.
في الاقتصاد السلوكي مفهوم يُعرف بـ ”النفور من الخسارة“ «Loss Aversion»، وهو أن الخسارة المحتملة قد تؤثر في قراراتنا أكثر من مكسب مماثل. ولذلك قد يكون تجنب الخسارة أقوى دافعًا من السعي إلى تحقيق المكسب.
وهناك مفهوم آخر أكثر اتصالًا بحكايتنا، هو ”تحيز الوضع القائم“ «Status Quo Bias»، أي ميلنا إلى تفضيل ما اعتدنا عليه، حتى عندما تتوافر بدائل قد تكون أفضل.
وهذا ما نعبر عنه عادة بالبقاء في ”منطقة الراحة“ «Comfort Zone». فنحن نعرف عيوب القديم ونتعايش معها، أما الجديد فنخشى عيوبًا لم نتأكد بعد من وجودها.
وهنا يجد FUD بيئته المثالية. فهو لا يحتاج إلى إثبات أن المجهول سيئ، بل يكفي أن يذكّرك بأنه مجهول.
والمثل عندنا يقول:
خليك على مجنونك لا يجيك اللي أجنّ منه!
وفي مبيعات الشركات الكبرى يظهر عامل أشد تأثيرًا: الشخص الذي يوقّع قرار الشراء لا يخاطر بأموال الشركة وحدها، بل بسمعته ووظيفته.
وكانت هناك مقولة شهيرة متداولة في عالم التقنية:
Nobody ever got fired for buying IBM
فإذا اختار المسؤول شركة عالمية معروفة وحدثت مشكلة، استطاع أن يقول لإدارته: اخترنا شركة راسخة وفق المعطيات المتاحة.
أما إذا اختار شركة صغيرة ثم تعثرت، فقد يسمع سؤالًا مختلفًا: ولماذا اخترتم هذه الشركة أصلًا؟
وهنا يتغير السؤال من ”أي المنتجين أفضل؟“ إلى ”أي القرارين أستطيع الدفاع عنه إذا ساءت الأمور؟“.
وقد لا يختار مسؤول المشتريات الأفضل ولا الأرخص، بل الخيار الذي يستطيع تبريره أمام إدارته إذا فشل.
وبالنظر إلى تجربتي بعد كل هذه السنوات، أستطيع القول إننا لم نكن نبيع أجهزة الكمبيوتر فقط.
كنا نبيع الطمأنينة.
لكن هنا تبدأ المنطقة الرمادية.
هل كان ما نفعله تضليلًا؟
أن تسأل عن قدرة شركة صغيرة على الاستمرار عشر سنوات سؤال مشروع. وأن تتأكد من جاهزية الدعم في الطوارئ أمر منطقي. فالتحذير من المخاطر جزء من أي قرار رشيد.
لكن هناك فرقًا بين أن تطرح سؤالًا لتعرف إجابته، وأن تطرحه وأنت لا تريد إجابة أصلًا، بل تريد أن يبقى معلقًا في ذهن العميل.
وإذا طبقت هذا المعيار على نفسي بصدق، فلا أستطيع أن أدّعي أن كل سؤال طرحناه كان من النوع الأول.
بعضها كان استفسارًا مشروعًا عن الدعم والاستمرارية، وبعضها، حين أعيد النظر فيه اليوم، كان أقرب إلى الإيحاء. لم نكن بحاجة إلى إثبات أن المنافس عاجز؛ كان يكفينا أن نجعل العميل يتساءل إن كان قادرًا على الاعتماد عليه.
والخط الفاصل بين النصيحة والتأثير المتعمد أرفع مما نحب أن نعترف.
وهذه براعة FUD: أنه لا يحتاج دائمًا إلى الكذب.
أحيانًا تكفي حقيقة صغيرة، واحتمال كبير، وسؤال بلا إجابة.
والأغرب أننا نمارس هذه الطريقة في حياتنا اليومية، حتى لو لم نسمع بهذا الاختصار من قبل.
يخبرك صديق أنه حصل على عرض عمل مغرٍ من شركة ناشئة، فتقول:
- الراتب ممتاز… بس تضمن الشركة موجودة السنة الجاية؟
ويخبرك آخر أنه سيدخل مشروعًا جديدًا، فتقول:
- الفكرة حلوة، لكن أعرف واحد دخل نفس المجال وخسر كل فلوسه.
وربما يقول أحدهم عن شخص تقدم للزواج:
- أنا ما عندي عليه شيء… بس لو أنا مكانكم أسأل أكثر.
ثم يصمت.
ويا ليته تكلم! فقد ترك خلفه سؤالًا صغيرًا، وترك للخيال مهمة تكبيره.
فالسامع سيبدأ وحده في صناعة الاحتمالات، وقد يصبح ما لم يُقَل أكثر تأثيرًا مما قيل.
وليس معنى ذلك أن كل تحذير من صديق يحمل نية سيئة. فقد يكون الرجل ناصحًا ومخلصًا، لكنه ينقل خوفه الشخصي إلينا من دون أن ينتبه.
فالخوف لا يحتاج دائمًا إلى من يتعمد زرعه. أحيانًا ينتقل بالعدوى.
بل إننا قد نستغني عن الآخرين تمامًا، ونمارس FUD على أنفسنا.
نفكر في تغيير وظيفة فنخشى ألا ننجح. نفكر في مشروع فنخشى الخسارة. نريد تجربة شيء جديد فنخاف أن نندم.
وهكذا تتحول منطقة الراحة من مكان نستريح فيه إلى مكان نخشى مغادرته.
وقد نعرف عيوب وضعنا الحالي بالتفصيل ونتعايش معها سنوات، بينما نخشى عيوب خيار جديد لم نعرف بعد إن كانت موجودة أصلًا.
ومنذ أن عرفت هذه الطريقة، صرت أرى أن أفضل ما نفعله أمام التحذيرات المخيفة هو ألا نرفضها فورًا، وألا نستسلم لها أيضًا.
بل نواجهها بأربعة أسئلة:
ما الدليل؟
ما احتمال حدوث الخطر فعلًا؟
هل نعامل الخيار المألوف بالصرامة نفسها؟
ومن المستفيد من خوفنا؟
فليس كل من يحذرنا متلاعبًا، وليس كل خطر متخيلًا. لكن التحذير العقلاني يساعدنا على فهم المخاطرة وقياسها، أما FUD فيكتفي أحيانًا بأن يجعلنا نشعر بها.
وتعلمت من سنوات العمل في المبيعات أن تغيير قرار الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن تثبت له أن خياره خاطئ. أحيانًا يكفي أن تضع أمامه سؤالًا لا يعرف إجابته، ثم تترك الخوف وعدم اليقين والشك يكملون المهمة.
فFUD لا يصنع دائمًا منطقة الراحة…
لكنه يعرف جيدًا كيف يحرس حدودها.
يُحكى أن ساقيًا أراد أن يحل محل ساقي الملك القديم، فعلم أن الأخير اعتاد أن يقدم للملك كل صباح كأسًا من الحليب.
قال للملك سرًا:
- ساقيك رجل فاضل، لكنه بدأ ينسى كثيرًا هذه الأيام. والحليب لا يحتمل الخطأ… ماذا لو نسي يومًا ووضع فيه شيئًا يضر بصحتك؟
وفي الصباح، قدم الساقي القديم الحليب كعادته.
نظر الملك إلى الكأس لحظة، ثم قال:
- شكرًا… لا أشتهيه اليوم.
وبعد أيام، استغنى عن خدمات الساقي القديم.












