آخر تحديث: 22 / 10 / 2026م - 11:36 ص

عليٌّ وفاطمة… حين بدأ البيت يصمت

عبد الكريم سعيد النمر


قبل ثلاث سنوات كنا في فندق القمر بكربلاء حين جلس معنا رجلٌ في السبعين من عمره يُكنّى بأبي أحمد.

راح يحدثنا عن الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياته مع زوجته.

كان يطعمها بيده… ولا يرضى أن يعطيها الدواء أحدٌ غيره… ويبقى إلى جوارها ليلًا رغم كبر سنه وآلام ظهره.

وكانت هي ترى تعبه ولا تستطيع الكلام. وأحيانًا كانت ترفض الطعام أو الدواء… وكأنها، بلسان الحال، تقول له: لقد أتعبتك معي… ثم رحلت.

لكن أبا أحمد لم يستطع أن يعود كما كان.

أصبح البيت الذي عاشا فيه يؤلمه… حتى إنه إذا جاء إلى العراق أطال البقاء لأن العودة إلى البيت وإلى البلدة التي عاشا فيها معًا كانت تعيد إليه كل شيء.

كان يحكي… ويبكي حتى أبكانا معه.

خرجت تلك الليلة من ذلك المجلس وأنا أحدث نفسي:

ما أشد حبَّ هذا الرجل لزوجته… وما أقسى أن يبقى الإنسان في الأماكن نفسها بعد أن يغادرها من كان يحبّه.

وظننت يومها أنني لن أقرأ حكاية زوج أوجعه رحيل زوجته أكثر من ذلك.

حتى وقفت عند الأيام الأخيرة من حياة فاطمة … وعند علي تحديدًا.

بدأت أقرأ الحكاية بطريقة أخرى…

لا حكاية إمام يودّع ابنة رسول الله ﷺ فحسب… بل حكاية زوج كان يرى أحبَّ امرأة في حياته تتهيأ للرحيل.

لم أستطع أن أنقل حكايتهما كما نقل أبو أحمد حكايته.

ففرق بين أن تنقل حكاية قرأتها أو سمعتها… وبين أن يكون صاحب الحكاية أمامك يحكيها بلسانه ويبكيها بعينيه وقد عاش كل لحظة منها.

قرأت في قصاصات الكتب عن حزن علي ما هو أشد وجعًا من حكاية أبي أحمد… لكن كيف أكتبه؟

أأكتب ما لم تذكره الروايات… لأن القلب يتخيّل ويشعر بمقدار ذلك الوجع؟

أم أقف عند ما وصل إلينا وإن بقي خلف الكلمات حزنٌ أكبر لم يصل إليه القلم؟

اخترت الثانية.

فليس لي أن أنسب إلى الإمام شعورًا لم أقرأه… ولا أن أضع على لسانه ما لم يقله.

وما بين المحذور في النقل… وقصور القلم عن وصف حزن زوج كعلي على زوجةٍ كفاطمةَ…

سأكتب في حلقاتٍ قصيرة ما استطاع القلم أن ينقله…

لا كلَّ ما يمكن أن يكون قد حمله قلب علي من شوق وحزن.

لم تكن فاطمة في حياة علي زوجةً يسكن معها بيتًا…

كانت سَكَنَه وروحه وقلبه.

كانت الوجه الذي يكفي أن تقع عليه عيناه فتخفّ عنه همومه وأحزانه.

وكان البيت صغيرًا… لكن ما جمعهما فيه كان أكبر من سنواته القليلة.

ولذلك البيت الصغير حكايةٌ أخرى…

عن موضعه يومذاك، وأين يقع اليوم، وبساطته، وما كان فيه، والموضع الذي عُرف بمحراب فاطمة.

سنرويها قريبًا…

أما حكايتنا اليوم… فليست عن البيت نفسه… بل عن اثنين عاشا فيه حتى بدا كأنّ شيئًا من روحيهما قد أصبح واحدًا.

ولكن هل كان ذلك مجرد وصفٍ للحب؟

لندع عليًا نفسه يخبرنا ماذا كانت فاطمة تعني له…

يُروى عنه في حديثه عن حياتهما:

«فوالله ما أغضبتها، ولا أكرهتها على أمرٍ حتى قبضها الله عز وجل، ولا أغضبتني، ولا عصت لي أمرًا، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان».

توقفت طويلًا عند كلماته الأخيرة:

«كنت أنظر إليها… فتنكشف عني الهموم والأحزان».

لم يقل: حين تحدّثني… ولا حين تواسيني… بل كان يكفي أن ينظر إليها.

وهنا راودني سؤال:

وهل كانت فاطمة … إذا نظرت إلى علي تنكشف عنها هي الأخرى همومها وأحزانها؟

ربما نسي التاريخ أو تناسى أن يكتب لنا ذلك…

لكن القلب… يهمس بما لا يجرؤ القلم أن ينسبه إليهما.

ثم دارت الأيام…

وجاء اليوم الذي أصبحت فيه المرأة التي كان ينظر إليها فتنكشف عنه أحزانه… تضعف أمام عينيه يومًا بعد يوم…

ثم اشتد بها المرض.

وأصبح علي يرى ما لا يريد لقلبه أن يراه…

فاطمة تتهيأ للرحيل… لكن قبل أن يأتي ذلك الفراق… كان لفاطمة يومٌ أخير في بيتها… يومٌ بدأ على غير ما اعتادوه في أيام مرضها…

وفيه فعلت أشياء صغيرة لم يعرف من حولها إلا بعد ساعات… أنها كانت تتهيأ للرحيل.

كان قطبُ الرحى يتهيأ للسكون…

وكأنّ الأفلاكَ التي دارت حوله طويلًا بدأت هي الأخرى تُبطئ دورانها… إيذانًا بتحوّلٍ عظيم.

ولم يكن علي وحده يتهيأ لمرحلةٍ جديدة… كان البيت… والمدينة…

والكون كله…

على موعدٍ مع بيتٍ سيبدأ بالصمت.

جاء ذلك اليوم الذي لم يتمنَّه علي يومًا.

اليوم الذي سيكون آخر أيام فاطمة في ذلك البيت.

وتروي الأخبار أنها بدت فيه أخف حالًا مما كانت عليه في أيام مرضها.

ولعلّ من يحب مريضًا يعرف ماذا تعني له لحظةٌ كهذه…

أن يراه أفضل قليلًا فيتعلّق قلبه بذلك القليل ويظن أن الغد قد يكون أجمل من الأمس.

لكن لم يكن هناك غدٌ لفاطمة في ذلك البيت.

خرج علي لبعض حاجته… وبقيت فاطمة .

وكان في البيت يومها شاهد عرف أيامها الأخيرة عن قرب… فضّة.

الخادمة التي عاشت مع فاطمة وعرفت شيئًا من تفاصيل حياتها ومرضها.

وربما تكون لنا يومًا مع فضّة حكايةٌ أخرى من «قصص العاشقين»…

فكل من عاش قريبًا من فاطمة لا بد أن يكون له معها شيءٌ من حكايات العاشقين.

وتُنسب إلى فضّة رواية طويلة عن تلك الأيام… حتى إن سؤالًا وُجّه إليها بعد سنوات عمّا شاهدته عند وفاة مولاتها أعاد إليها حزن ذلك اليوم.

وكأن بعض الأيام لا تمضي… تبقى ساكنةً في القلب… يكفي سؤالٌ واحد لتعود من جديد.

وفي ذلك اليوم… طلبت فاطمة ماءً… فاغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل.

ثم طلبت ثيابًا جديدة… فلبستها.

لم تكن تلك الثياب لزيارة… ولا لمناسبة تنتظرها في المدينة.

كانت تتهيأ لرحلة أخرى.

ثم طلبت أن يُهيّأ لها فراشها في وسط البيت… فاضطجعت… واستقبلت القبلة… وجعلت يدها تحت خدها.

تفاصيل صغيرة…

لكنها تصبح موجعةً حين نعرف أنها كانت من آخر ما فعلته فاطمة في بيتها.

ذلك البيت الذي دخلته يومًا عروسًا…

وهنا يأخذني الخيال إلى يوم دخولها ذلك البيت…

فكأني بأبيها قريبًا منها… يضع يدها في يد علي … فتلتقي اليدان…

ويلتقي معهما قلبان كُتب لهما أن يعيشا معًا حكاية حب في الدنيا… لا يفرّقها إلا الموت.

دخلت فاطمة ذلك البيت ويدها في يد عليّ… فمن كان يظن أن يأتي يوم تكون فيه اليد نفسها التي أمسكت يدها عروسًا… هي اليد نفسها التي تغسّلها وتكفّنها وتحملها في ظلمة الليل… ثم تُلحدها في قبرها؟

وأيُّ قلبٍ كان قلب علي …

واليد التي أمسكت يد فاطمة بالأمس عروسًا…

هي نفسها التي تواري جسدها اليوم بالتراب؟

وكأنّ خديجة ومريم وآسية يزففنها من عالمٍ آخر…

وربما كان هناك من ملائكة السماء وحور الجنان من شهد فرحًا لم تره عيوننا، وقال وحيًا لم يصلنا.

دخلت فاطمة ذلك البيت يومًا عروسًا…

وعاشت فيه مع علي سنوات الحب، والأبناء، والعبادة، والفرح، والألم.

أما الآن… فكانت تستعد لمغادرته.

لا إلى بيتٍ آخر… بل إلى أبيها الذي سبقها قريبًا.

وبدأ قطب الرحى يتباطأ شيئًا فشيئًا…

حتى توقّف.

رحلت فاطمة … وسكن الجسد الذي أتعبه المرض.

أما البيت…

فمنذ تلك اللحظة لم يعد البيت الذي خرج منه علي قبل ساعات.

ولعلّ هذا ما جعل ذلك اليوم يبقى في ذاكرة فضّة… فبعض المشاهد لا تغادر أصحابها.

يمضي العمر… وتبقى لحظة واحدة عالقة في القلب كأنها حدثت بالأمس.

لكن هناك رجلًا آخر… رأى ما لم تره فضّة ولا غيرها.

سيعود إلى البيت مسرعًا…

ولا نعلم كيف مشى تلك الخطوات.

هل مشى ببطء… وكأنّ قدميه لا تريدان الوصول؟

أم هرول مسرعًا… كأنّ في قلبه بقية أمل؟

هل خانته قدماه في الطريق حين بلغه الخبر؟ أم توقف في منتصف الطريق ليمسح دموعًا أصرّت على الخروج؟

وهل حاول أن يحبس دموعًا… أبت إلا أن تشارك الكون في حزنه على فاطمة؟

لا نعلم…

نعلم أنه خرج من البيت وفيه فاطمة…

وسيعود إليه من دونها.

فكيف سيدخل البيت الآن؟

وكيف ستكون اللحظة التي تقع عيناه عليها… ولا تنكشف عنه الهموم والأحزان هذه المرة؟

هل ستخذله قدماه عند الباب… فيسقط مغشيًا عليه؟

أم سينحني ويرمي جسده… على جسدٍ أبى إلا الرحيل؟

لا نعلم…

أما ما نعلمه… فهو أشد وجعًا مما يستطيع القلم أن يكتبه.

عاد علي إلى بيتٍ يعرف كل زاوية فيه… لكن شيئًا واحدًا كان قد تغيّر إلى الأبد.

البيت هو البيت… والباب هو الباب…

والمحراب هو المحراب… لكن فاطمة لم تعد فيه.

عاد عليٌّ إلى البيت…

وهنا تبدأ الحكاية الأشد وجعًا.

كيف ودّعها؟

وكيف غسل بيديه المرأة التي أحبها؟

وكيف حملها في ظلمة الليل… وألحدها بيديه في قبرها؟

ثم كيف طاوعه قلبه أن يعود إلى البيت… من دون فاطمة؟

وكيف كان قلبه… حين كان عليه أن يترك يدًا وضعها رسول الله ﷺ يومًا في يده؟

تلك حكايةٌ لم نروها بعد… سنرويها في الجزء القادم.