آخر تحديث: 21 / 10 / 2026م - 2:31 م

وجوه من بيئة العمل… حين يصبح الاجتهاد عقوبة!

إبراهيم الرمضان *


تُعد الوظيفة مصدرًا أساسيًا للدخل والاستقرار المعيشي لدى شريحة واسعة من الناس، ولعل من أبرز مزاياها انتظام الراتب الشهري، والاستقرار الوظيفي النسبي، ووضوح ساعات العمل، فضلًا عن الحقوق والمزايا التي تختلف باختلاف طبيعة الوظيفة وجهة العمل.

ولهذا يحرص الكثيرون على الحصول على وظيفة تتناسب مع مؤهلاتهم وتطلعاتهم، وتوفر لهم قدرًا من الأمان المادي والمهني، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لبناء مستقبلهم وتحقيق الاستقرار في حياتهم.

طيب، ما كأننا طوّلنا بالمقدمة؟ كما لو أننا بصدد إعداد بحث علمي عن الموارد البشرية!

فما لكم بالطويلة، خلونا نتعرف على ثلاثة نماذج من الموظفين، قد تصادفونهم يوميًا، وربما تكونون أحدهم دون أن تشعروا!

محمد.. الموظف النشيط:

محمد موظف يؤمن بأن الوظيفة مسؤولية وليست مجرد حضور وانصراف، ويرفض أن يكون «تكملة عدد» في مكان عمله.

يحرص على إنجاز أعماله، ويتابع المعاملات المتأخرة، ولا يتردد في مساعدة زملائه، حتى أصبح بمرور الوقت المرجع الأول لكل مهمة مستعجلة، ولكل معاملة متعثرة، ولكل عمل لا يجدون من يتولاه!

والمشكلة أن نشاط محمد لم يمر مرور الكرام؛ فقد اكتشف بعض زملائه أن بإمكانهم الاستفادة من إخلاصه، فأصبحوا يحيلون إليه أعمالهم، بينما اكتشفت الإدارة أن لديها موظفًا يستطيع القيام بعمل موظفين أو ثلاثة، فلماذا تشغل نفسها بتوفير موظفين إضافيين؟!

ومع تراكم الأعباء، قد يضطر محمد إلى البقاء ساعتين أو ثلاثًا بعد انتهاء الدوام، حتى لا تتعطل مصالح الآخرين، أو تتكدس الأعمال على مكتبه في اليوم التالي.

هذا النوع من الموظفين يُفترض أن يكون نواة للقيادات الإدارية مستقبلًا، بشرط أن تكون الجهة التي يعمل بها قادرة على تمييز الكفاءات وتقديرها، لا أن تعتبر نشاطه فرصة ذهبية لتكليفه بالمزيد من الأعمال!

سليم.. الموظف الخامل:

أما سليم، فهو على النقيض تمامًا من محمد.

سليم لا يريد أن يكون موظفًا متميزًا، ولا يطمح إلى إحداث نقلة نوعية في مكان عمله، بل إن طموحه الوظيفي لا يتجاوز المحافظة على علاقته الطيبة بجهاز البصمة!

يصل إلى مقر العمل عند الساعة 7:59 صباحًا، أي قبل إغلاق فترة السماح بدقيقة واحدة، ويعتبر ذلك انضباطًا وظيفيًا يستحق الإشادة!

أما موعد الانصراف بالساعة 4:00 عصراً، فهو موعد مقدس لا يقبل التأجيل، حتى لو كانت هناك مهمة لا تحتاج سوى دقائق معدودة لإنهائها.

وخلال ساعات العمل، لا يخلو برنامجه اليومي من وجبة إفطار دسمة، وجلسة سوالف مع الزملاء، وجولة على المكاتب للاطمئنان على آخر المستجدات، مع تخصيص وقت كافٍ لأداء الصلاة، قد يمتد إلى ساعة كاملة يُغلق خلالها مكتبه!

ولا يعني ذلك أن سليم لا يعمل إطلاقًا، فهو يعمل حين لا يجد وسيلة لتجنب العمل، أو عندما يكتشف أن المهمة ستعود إليه مهما حاول التخلص منها!

أما إذا احتاج أحد الزملاء إلى مساعدته، فغالبًا ما يكون مشغولًا، أو لديه ارتباط، أو أن الموضوع ليس من اختصاصه، حتى لو كان قد أنجز المهمة نفسها قبل أسبوع!

والأهم من ذلك كله، أن سليم يعرف كيف يحافظ على هدوئه النفسي، فلا يرهق نفسه بالتفكير في تطوير العمل، ولا يسمح لضغوط الوظيفة بأن تؤثر في جودة حياته!

فيصل.. موظف «بو نص كُم»:

نصل الآن إلى فيصل، وهو النموذج الذي حيّرني تصنيفه!

فهو ليس نشيطًا مثل محمد، ولا خاملًا مثل سليم، وإنما يقع في المنطقة الرمادية بينهما، ويمكن أن نطلق عليه «الموظف متوسط الأداء»، أو كما يحلو لي تسميته: «موظف بو نص كُم»!

فيصل يؤدي الأعمال المطلوبة منه، ولا يتعمد تعطيل مصالح الآخرين، ولا يُحمّل زملاءه مسؤولياته، لكنه في المقابل لا يبادر إلى تقديم أفكار تطويرية، ولا يتحمس لتحمل مسؤوليات إضافية.

ليس لأنه عاجز عن الإبداع، بل لأنه ربما اكتشف مبكرًا حقيقة لم يدركها محمد بعد، وهي أن النشاط الزائد قد يجلب لصاحبه مزيدًا من الأعمال، دون أن يجلب له بالضرورة مزيدًا من التقدير!

فلماذا يتطوع لإنجاز عشر مهام إذا كان يستطيع الاكتفاء بخمس، ما دامت الإدارة راضية عنه، ولن يحصل بالضرورة على مقابل إضافي لاجتهاده؟

وقد تكون لدى فيصل اهتمامات أخرى خارج الوظيفة، كعمل تجاري أو مصدر دخل إضافي، ولذلك يحرص على ألا تستنزف الوظيفة كامل طاقته ووقته.

والحقيقة أن فيصل ليس موظفًا سيئًا بالضرورة، فهو يؤدي واجباته، لكنه لا يرى مبررًا لأن يقدم أكثر مما هو مطلوب منه، خصوصًا إذا كان المقابل الوحيد للاجتهاد هو تكليفه بالمزيد من العمل!

وهنا تبدأ الكوميديا السوداء!

تخيلوا أن محمدًا وسليمًا وفيصلًا يعملون في المؤسسة نفسها، ويشغلون مستويات وظيفية متقاربة، وربما يتقاضون رواتب متساوية أو متقاربة!

محمد يعمل بجهد مضاعف، وسليم يتفنن في التهرب من مسؤولياته، وفيصل يؤدي الحد الأدنى المطلوب منه.

ومع ذلك، قد ينتهي العام دون أن ينعكس هذا التفاوت الكبير في الأداء على مكافآتهم أو فرصهم الوظيفية بصورة عادلة!

بل إن المفارقة الأشد إيلامًا أن محمدًا قد يُكافأ على نشاطه بمزيد من التكليفات، بينما ينعم سليم براحة البال، ويواصل فيصل حياته الوظيفية دون صداع!

وإذا كانت المؤسسة تعاني أصلًا من محدودية فرص الترقيات، وضعف الحوافز، وغياب التقدير الحقيقي للكفاءات، فإننا أمام بيئة قد تدفع الموظف النشيط تدريجيًا إلى إعادة النظر في جدوى اجتهاده.

فما الذي يدفع الموظف إلى بذل جهد مضاعف إذا كان سيحصل في النهاية على الامتيازات نفسها التي يحصل عليها زميله الأقل إنتاجية؟

وهكذا، بدلًا من أن تسعى بيئة العمل إلى رفع مستوى أداء سليم وفيصل ليقتربا من محمد، قد يحدث العكس تمامًا، فيبدأ محمد بالاقتراب منهما!

وهنا تكمن المأساة الإدارية: حين تعجز المؤسسة عن مكافأة الموظف المجتهد، فقد تنجح دون قصد في إقناعه بأن الاجتهاد لا يستحق العناء!

كلمة لأبطال قصتنا!

أنت يا سليم: وضعك بالسليم! خلك منطّح بمكانك، ولا تشيل هم، فمن الواضح أنك استطعت الوصول إلى مرحلة متقدمة من التوازن بين الحياة الوظيفية والحياة الشخصية، لدرجة أن الحياة الشخصية أصبحت تشمل ساعات العمل أيضًا!

وأنت يا فيصل: استمر على نهجك، فطالما أنك تؤدي المطلوب منك، ولا تتسبب في إزعاج الإدارة بطلبات التطوير والترقيات، فالجميع راضٍ عنك، وأنت راضٍ عن الجميع، والحياة ماشية!

أما أنت يا محمد:.... تعال تعال!! أبيك بكلمة راس!

شوف، أنا خايف عليك! وضعك صعب، وبديت أشوف عليك أعراض الاحتراق الوظيفي! أخاف تستمر على هالحال وتتحول إلى زومبي إداري، الفرق الوحيد أنك بدل ما تطارد البشر، تطارد المعاملات!! اسمعني زين:

أمامك خياران؛ إما أن تستمر على إخلاصك واجتهادك، وتحتسب الأجر والثواب عند الله، وتعتبر كل مهمة إضافية تُلقى على مكتبك فرصة جديدة لجمع الحسنات!

وإما أن تبحث عن جهة عمل أخرى تعرف قيمة الموظف المجتهد، وتقدّر كفاءته، بدلًا من أن تعتبر نشاطه مبررًا لتحميله المزيد من المسؤوليات!

وإلا أقول لك؟

وش لك بوجع الرأس؟!

حياك الله في نادي «بو نص كُم»!

فيصل ومن دار في فلكه يرحبون فيك وبطوايفك، وسليم مستعد يتولى بنفسه برنامج تأهيلك للمرحلة الجديدة!

تعال أفطر معهم تميس وفول وشكشوكة، وخذ راحتك بالسوالف، وخل أصحاب المعاملات ينتظرون عند الباب، ترا الشغل ما راح يطير!

وإذا جاء وقت الظهر، سكّر باب المكتب واطلع، وشف لك عذر مناسب، ذكي أو غبي، ما تفرق، المهم أنك تطلع!

وإذا ضاقت بك الخيارات، فهذه مجموعة أعذار جاهزة للاستعمال:

* أروح أوصل عيالي من المدرسة.

* عندي موعد في المستشفى.

* بروح أصلي صلاة الاستسقاء.

* عندي ظرف عائلي طارئ.

* لازم أطلع أنقذ أحد طيور الفلامينجو المصابة!

وإذا ما نفعت معك، استعن بخبرات سليم، فهو بلا شك يمتلك أرشيفًا من الأعذار التي لم تخطر على بالك، وربما لديه دورات تدريبية متقدمة في فنون الاستئذان والغياب!

لكن أهم شيء يا محمد، هالله هالله بنفسك!

خفف النشاط، ووطِّ الدوس شوي، ولا تتحمس لكل مهمة تمر من عندك، ولا تتطوع بحل كل مشكلة تواجه الإدارة!

وإذا قالوا لك: «ما لنا إلا أنت يا محمد»، فاعرف أن هذه العبارة قد تكون مقدمة لتكليف جديد، لا شهادة تقدير!

وإذا سألوك عن أفكارك لتطوير العمل، قل لهم إنك ما زلت تدرس الموضوع، والدراسة قد تستغرق بضع سنوات!

وكم باقي لك على التقاعد؟

شغّل العد التنازلي وارتح!!

وأخيراً:

تبقى المشكلة الحقيقية حين تتحول بيئة العمل من مكان يحفّز الموظف على التميز، إلى مكان يتعلم فيه الموظف أن أفضل طريقة لحماية نفسه من الأعباء الإضافية هي ألا يتميز أصلًا!

وعندها لا تسألوا: لماذا قلّ الموظفون المجتهدون؟

بل اسألوا: ماذا فعلنا بالمجتهدين حتى أصبحوا يفكرون في الانضمام إلى نادي «بو نص كُم»؟!