آخر تحديث: 21 / 10 / 2026م - 1:50 ص

إبشر يا مدلل بالشقا

من الأمثال الشعبية البحرينية

رائد البصري *


للأمثال الشعبية قصصٌ تعكس ثقافات الشعوب، فهي المرآة التي نرى من خلالها معتقدات الناس وأفكارهم وسلوكياتهم، بل إن كثيراً منها يعبّر عن خصوصية الثقافة لدى كل مجتمع، وقد أسهم بعضها في تشكيل ذهنية الشعوب واتجاهاتها وتحديد طابعها العام، الأمر الذي جعل هذه الأمثال محوراً لاهتمام الباحثين والمتخصصين في دراسة الثقافة الشعبية. ونلاحظ أن الناس اعتادوا، جيلاً بعد جيل، ترديد هذه الحكم والأمثال في أحاديثهم اليومية دون أن يعرفوا في الغالب مصدرها أو قصة نشأتها.

ومملكة البحرين، بإرثها الحضاري العريق وتلاقحها الثقافي عبر موقعها البحري وتاريخها التجاري، تزخر بتراث شعبي غني من الأمثال التي نسجها أهلها من واقع حياتهم اليومية، فجاءت معبّرة عن حكمتهم وهويتهم الثقافية الخاصة.

ويسعى هذا المقال إلى استعراض أحد أبرز هذه الأمثال الشعبية البحرينية، وهو مثل ”إبشر يا مدلل بالشكّا“، والوقوف على قصته ودلالاته وما يعكسه من قيم اجتماعية، في محاولة لحفظ هذا الموروث الشفهي من الاندثار وتقريبه إلى الأجيال الجديدة.

قصة المثل

كان جميل موظفاً بارعاً ومخلصاً، ومحبوباً من جميع زملائه الموظفين بالمؤسسة التي يعمل بها، وكانت له مكانته المميزة لدى رئيس المؤسسة، فلا يُرد له طلب، ومقترحاته مقبولة إذ إن أغلبها يصب في مصلحة العمل.

غير أن أحوال جميل انقلبت إلى حال سيء، إذ تغيرت رئاسة المؤسسة بعد بيعها، وتغير القائمون عليها، فأصبح جميع القياديين بتلك المؤسسة من الشباب حديثي التخرج، الذين تدفعهم النظريات الحديثة، وبالرغم من مؤهلات تلك القيادة الجديدة إلا أنها أهملت أهمية الخبرة العملية.

فوجد جميل نفسه ضائعاً في جوّ العمل الجديد، لم تعد مقترحاته تُقبل، بل ولم يعد لها أهمية بين الموظفين، فقال له زميله، وقد رأى حاله المتردي يوماً بعد يوم:

”إبشر يا مدلل بالشكّا“

معنى المثل

يُقال هذا المثل لتغيّر الأحوال إلى الأسوأ، وهو يصوّر بأسلوب ساخر ومُفارق كيف ينقلب حال الإنسان من التمكين والتدليل إلى الإهمال والشقاء، حين تتبدل الظروف المحيطة به رغماً عنه.

الخاتمة

يُعلّمنا هذا المثل الشعبي البحريني أن الأحوال لا تدوم على حال، وأن المكانة التي يبلغها الإنسان قد تتبدل بتبدل الظروف المحيطة به، لا بتغيّر جوهره أو قدراته. كما يحمل المثل في طياته دعوة ضمنية إلى الاعتراف بقيمة الخبرة والكفاءة، وعدم الاستهانة بتجارب أصحاب الباع الطويل في العمل، مهما تغيرت الأجيال والنظريات. وهكذا تبقى الأمثال الشعبية، كهذا المثل، شاهدة على حكمة الأجداد وقدرتهم على اختصار تجارب الحياة في عبارات موجزة، تتوارثها الأجيال وتستحضرها كلما تشابهت المواقف، لتظل جزءاً حياً من الذاكرة الثقافية لمجتمع يحرص على حفظ هويته.

كاتب وإعلامي بحريني، حاصل على بكالوريوس إدارة الأعمال، وعضو جمعية الصحفيين البحرينية. يعمل مشرفًا لخدمات مصادر المعرفة بوزارة التربية والتعليم.