آخر تحديث: 20 / 10 / 2026م - 1:25 ص

حين سبقتنا الآلة إلى الإنصات!!

عبد الله صالح الخزعل


في الآونة الأخيرة، كلما جلست مع أطفال العائلة وجدت اسم ”شات جي بي تي“ حاضرًا في أحاديثهم أكثر من أي شيء آخر. أحدهم يقول: سألته فأجابني، وآخر يحدثني بحماس عن قصة كتبها له، وثالث يروي لي حوارًا طويلًا دار بينه وبين هذا البرنامج. ومع تكرار المشهد، وجدت نفسي أتجاوز السؤال المعتاد: ماذا يجد الأطفال في هذه التقنية؟ إلى سؤالٍ آخر بدا لي أكثر أهمية: لماذا يحبون الحديث معها أصلًا؟

قد يقال إن السر يكمن في قدرتها على الإجابة، وهذا صحيح إلى حد ما. لكنني أعتقد أن هناك سببًا آخر لا يقل أهمية. فهذه البرامج، قبل أن تجيب، تستمع. تمنح محدثها المساحة الكاملة ليعبر عما يريد، لا تقاطعه، ولا تستعجل كلامه، ولا توحي له بأن سؤاله بسيط أو أن حديثه مكرر. إنها تنصت أولًا، ثم تتحدث.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل. كيف أصبح الإنصات، وهو من أبسط المهارات الإنسانية، ميزة تلفت انتباه الناس حين يجدونها في آلة؟ وكيف وصلنا إلى زمن يبحث فيه الطفل عن مستمع بين الأسلاك والخوارزميات؟

الحقيقة أننا نعيش عصرًا تتكاثر فيه الأصوات وتتناقص فيه الآذان المصغية. الجميع يريد أن يتحدث، وقليلون من يريدون أن يفهموا. نستمع غالبًا لنرد، لا لنستوعب، وننتظر انتهاء حديث الآخرين لنبدأ حديثنا نحن. ومع مرور الوقت، أصبح الإنصات عملة نادرة رغم أنه أحد أكثر الاحتياجات الإنسانية حضورًا.

والطفل يدرك ذلك أكثر مما نظن. فهو لا يبحث دائمًا عن إجابة لسؤال، بقدر ما يبحث عن شعورٍ بأنه مهم، وأن ما يقوله يستحق أن يُسمع. لذلك فإن الإقبال المتزايد على برامج الذكاء الاصطناعي لا يكشف فقط عن تقدم التقنية، بل يكشف أيضًا عن فراغ تركناه نحن دون أن نشعر؛ فراغ الإنصات.

ولعل السؤال الأهم ليس: لماذا يذهب أبناؤنا إلى هذه البرامج؟ بل لماذا لم نعد نحن الوجهة الأولى لأسئلتهم وحكاياتهم وأفكارهم؟ فبعض الناس لا يحتاجون إلى نصيحة، ولا إلى حل، ولا حتى إلى إجابة. كل ما يحتاجونه أحيانًا هو شخص ينصت إليهم بصدق.

وفي زمنٍ ازدحمت فيه الكلمات، ربما أصبح الإنصات من أندر صور المحبة، وأعمقها أثرًا. فالكلام قد يلفت الانتباه، أما الإنصات فيمنح الإنسان الشعور بأنه مرئي ومفهوم ومهم. ولعل هذه هي الرسالة التي سبقتنا الآلة إلى تذكيرنا بها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 19 / 10 / 2026م - 11:37 م
أعجبني جدًا — وأراه اختيارًا موفقًا — أنك استخدمت مفردة الإنصات لا الإصغاء فالإنصات هو الوقوف عند حدود السمع، أما الإصغاء فهو عبور تلك الحدود إلى الداخل؛ حيث يعمل السمع ويشارك القلب ويتدخل العقل الإنصات يلتقط الصوت، والإصغاء يلتقط المعنى الإنصات حضور جسدي، والإصغاء حضور روحي وفكري
ولذلك جاء القرآن دقيقًا في التفريق بين المقامين ?وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ? حين يكون المطلوب استقبال الصوت، و?الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ? حين يكون المطلوب تفاعلًا يثمر أثرًا
2
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 19 / 10 / 2026م - 11:38 م
ومن هنا تتضح المفارقة التي أشرتَ إليها في مقالك أن الطفل لا يبحث عن آلة تجيب، بل عن طرفٍ ينصت وأن التقنية لم تكسب قلوبهم لأنها أذكى، بل لأنها أكثر إنصاتًا وهذا وحده يكشف حجم الفراغ الذي تركناه نحن — فراغ الإنصات — في زمنٍ ازدحمت فيه الأصوات وقلّت فيه الآذان المصغية
فالإنصات ليس مهارة فحسب، بل قيمة وربما أصبح اليوم أحد أندر صور المحبة؛ لأن الكلام يلفت الانتباه، أما الإنصات فيمنح الإنسان شعورًا بأنه مرئي ومفهوم ومهم وقد ورد في هذا السياق عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم «من المروءة أن ينصت الأخ لأخيه»؛ تذكيرٌ بأن الإنصات ليس ترفًا اجتماعيًا، بل جزءًا من كمال الإنسان وتمام أخلاقه.