آخر تحديث: 18 / 10 / 2026م - 1:15 ص

رُبَّمَا أَنَا

فوزي آل غريب *


التقينا صدفةً.
تأمّلتِ وجهي قليلًا،
وقلتِ:
أظنّني رأيتُك من قبل…

وفي طرف ابتسامتكِ
شيءٌ لم أفهمه،
كأنّكِ تبحثين في الذاكرة
عن صفحةٍ قرأتِها ذات يوم.

قلتِ:
أو لعلّني قرأتُ لك…
شيئًا يشبه الشعر.

هل أنت شاعر؟

قلتُ:
لستُ شاعرًا،
ولكن فيّ مشاعر
كلّما هممتُ بالصمت
سبقتني إلى الكلام.

قلتِ:
الآن تذكّرتُ…
قرأتُ لك…
في «جهات».

قلتُ:
رُبَّمَا أَنَا.

نظرتِ إليّ،
كأنّ «رُبَّمَا»
بابٌ تركتُه مواربًا،
وسألتِ مرةً أخرى:
هل أنت شاعر؟

قلتُ: لا،
ولكنني أجيد اللعب بالكلمات،
وأعرف بعض طرقاتها؛
أدخل من كلمةٍ مألوفة،
ثم أضلّ الطريق
حين أقترب من نفسي.

ربما أجيد التعبير،
لكنني حين أحتاج جملةً واحدة
أمام شخصٍ يعنيني،
أعبث بطرف كمّي،
وأسأله عن يومه.

أبالغ كثيرًا في ردّ فعلي،
أحمل كلمةً عابرةً إلى البيت،
وأبقى أسمعها
بعد أن ينام قائلها.

وأبعثر بعض التفاصيل
حين أكتب:
أغيّر وقت اللقاء،
ولون الثوب،
وأضع المطر
في يومٍ لم تمطر فيه،
ثم أطمئنّ
إلى أن أحدًا لن يعرف الحكاية.

قلتِ:
لكنني رأيتُك فيها.

قلتُ:
لعلّك رأيتِ رجلًا يشبهني،
تركتُ له مقعدي
في آخر السطر،
ومضيت.

قلتِ:
كان يلتفت كثيرًا.

قلتُ:
نسيتُ أن أعلّمه
كيف يغادر.

سكتِّ،
وأنا أدير ملعقةً
في فنجانٍ فارغ،
وأصغي إلى رنّتها الصغيرة،
ممتنًّا لشيءٍ
يتكلم بدلًا منّي.

قلتِ:
ولماذا قلتَ «رُبَّمَا أَنَا»؟

نظرتُ إلى الشارع.
كان الناس يعبرون
دون أن يضطرّ أحدهم
إلى تفسير ارتباكه.

قلتُ:
لأنّ الذي قرأتِه
أكثر جرأةً منّي.
يترك قلبه في صَفْحَةٍ،
وينام،
وأنا أحذف رسالةً قصيرة
لأنّ كلمة «اشتقتُ»
بدت واضحةً أكثر مما أحتمل.

قلتِ:
ولمن كتبتَ القصيدة؟

قلتُ:
ألهذا كلّ هذه الأسئلة؟

ابتسمتِ،
وفتحتِ القصيدة على هاتفكِ،
ثم وضعتِه بيننا.

كان اسمي فوق النص،
واضحًا،
لا تصلح معه
«رُبَّمَا».

قلتِ:
اقرأ.

قرأتُ السطر الأول
بالصوت الذي أطلب به قهوتي،
وفي السطر الثاني
بدأ صوتي يتغيّر.

وحين وصلتُ إلى وصف الباب
الذي أغلقته امرأةٌ
برفقٍ موجع،
رفعتُ عينيّ.

كنتِ تنظرين إلى يدكِ،
تلك التي أبقيتُها في القصيدة
على المقبض،
ولم أسمح لها
أن تبتعد.

قلتِ:
لم يكن المطر يهطل يومها.

قلتُ:
أعرف.

قلتِ:
ولم أكن أرتدي الأزرق.

قلتُ:
أعرف.

دفعتِ الهاتف نحوي:
وما الذي أبقيتَه كما كان؟

هذه المرة
لم أبحث عن كلمةٍ
تتّسع للاختباء.

قلتُ:
كنتُ أريدكِ أن تبقي.

أطفأتِ شاشة الهاتف،
وبقيتُ أمامكِ
دون سطرٍ أختبئ فيه.

وتبعثر الصمت حولنا.

ثم همستِ:
أعجبتني قصيدتاكَ
«مسافرة في القطار»،
و«كنّا مزاجيّين في الحب».

قلتُ:
أمّا أنا،
فأميل إلى
«حين أحببتُ… خانتني القصائد».

فضحكتِ،
وقلتِ:
إذًا أنتَ مَن كتب
«خفيفًا كما الوجع»!

قلتُ:
رُبَّمَا…