آخر تحديث: 17 / 10 / 2026م - 12:23 ص

القراءة بين القنفذ والثعلب

يوسف أحمد الحسن * صحيفة الجزيرة

بين أن يكون القارئ قُنفذًا وأن يكون ثعلبًا مسافة هي نفسها المسافة ما بين القراءة المتخصصة والقراءة الموسوعية. فما الفرق بين نوعي القراءة هذين؟

حتى نفسر ذلك فإننا بحاجة إلى فهم معنى أن يكون الشخص في تعامله مع المعلومة قنفذًا أو أن يكون ثعلبًا اعتمادًا على فكرة تقول: إن الثعلب يعرف أشياء كثيرة، أما القنفذ فيعرف شيئًا واحدًا فقط «The fox knows many things, but the hedgehog knows one».

مؤدى هذه الفكرة أن القنفذ يعرف أمرًا واحدًا؛ وهو كيف ينقذ نفسه عند وقوع هجوم عليه، وهو التكور على نفسه وإبراز أشواكه كوسيلة دفاع، وهي وحدها تكفيه في جميع المواقف؛ أما الثعلب فلديه عشرات الخطط للهجوم على القنفذ وغيره، لكنه غالبًا ما لا ينجح في أي منها. وباختصار فإن الأول لديه تركيز في المعرفة، أما الثاني فمشتت بسبب كثرة معلوماته.

وقد جاءت فكرة هذه المقولة لأول مرة في مقال نشره الفيلسوف البريطاني إشعياء برلين عام 1953 م تحت عنوان «القنفذ والثعلب»؛ ”مبني على جزء من حكاية رمزية قديمة للشاعر اليوناني القديم أرشيلوسيوس، فحواها أن الثعلب يعلم أشياء كثيرة صغيرة، في حين أن القنفذ يعلم شيئًا واحدًا عظيمًا“ «من كتاب: موجز لأفكار عظيمة، للكاتب إيان كروفتون، ص 11-12».

ونقصد هنا بطرحنا للفكرة أن القارئ أمام خيارين؛ إما أن يكون قنفذًا في القراءة «أي متخصصًا»، أو يكون ثعلبًا «أي موسوعيًّا متعدد الاهتمامات». وقد ضرب المؤلف في الكتاب المذكور، نقلًا عن الفيلسوف برلين، أمثلة على مفكرين وفلاسفة وكتاب انتهجوا الأسلوب الأول «القنفذ»، ومنهم أفلاطون وهيغل ونيتشه ودانتي وديستويفسكي وإيبسن وبروست؛ في مقابل آخرين انتهجوا الأسلوب الثاني «الثعلب» وهم أرسطو وشكسبير ومونتابي وجوته.

ويمكن للقارئ أن يعتمد على أحد الأسلوبين أو كليهما في مراحل انتقالية؛ حيث إن لكل إيجابياته وسلبياته. فبأسلوب القنفذ يتمكن القارئ من التركيز على جانب واحد أو حقل واحد عريض، فيبدع فيه، ويعرف به، ويتميز به عن غيره، مع عمق وثبات، لكن فيه سلبية أنه يفتقد المرونة نظرًا لكونه منحصرًا في جانب واحد، ما قد يوقع القارئ في مطب التوجه الأحادي الذي إن فشل فيه فقد فشل في كل شيء.

أما بأسلوب الثعلب فالقارئ متعدد المواهب، لكن دون تركيز وإبداع في أي منها، مع إيجابية أن بإمكانه الانتقال من حقل إلى آخر في حال فشله في أحدهما. وهكذا فإن الأسلوب الأمثل في القراءة هو التوازن بين الأسلوبين أي «أن تعرف شيئًا عن كل شيء، وكل شيء عن شيء».