بين الناقد الحقيقي ومدّعي الفكر

”الناقد بصير“، أي إن صفة من صفات الناقد المتمكن كونه ذا دراية كاملة وفطنة بعواقب الأمور، وعدل وإنصاف. في الواقع المعاش في بعض المجتمعات، يطرح عدد كبير من الناس أنفسهم على أنهم مفكرون أو فلاسفة أو نقاد مخضرمون لا يلحق بهم السابقون، ولا يدركهم اللاحقون! وبعض أولئك، إن لم يكن أكثرهم، يفتقرون إلى أبجديات التفكير المنطقي الصحيح والفكر الناضج والقدرة على إيصال أفكارهم، فضلًا عن توليد منظومة فكرية متكاملة المفاهيم ومتماسكة وقوية البنية. فترى وتقرأ لبعضهم أطروحة بعد أخرى غايتها إبراز شخصه، ولو على باطل، وينتهي به المطاف إلى الترقيع بعد الترقيع والتلفيق بعد التلفيق، وهناك من يصفق له!
عندما نقول ”نقدًا فكريًا أو نقدًا فلسفيًا“ أو هذا نقد للفيلسوف الفلاني أو المفكر العلاني، فعلى الناقد أولًا أن يعرف أنه لا يكفي أن يختلف مع قولٍ ما لكي يصبح اختلافه نقدًا فكريًا أو فلسفيًا؛ بل ينبغي أن يبيّن مواضع الإشكال والتعثر في أفكارهم وأسباب الاعتراض وطرق المعالجة والحلول العملية الممكنة طبقًا لتصوراته.
ويتطلب مثل هذا الفن والعلم سعة مدارك المتحدث وعمق قراءاته وقوة تحليله ورصانة معارفه عبر إتقان جملة أمور أساسية، ومنها:
- تشخيص الأطروحة «الفكرة» التي يجري نقدها: وما الفائدة المرجوة من طرحها للنقاش؟ وهل جرى تحليلها وتفكيك عناصرها الأولية؟ وإذا تم كل ذلك، فهل تم التحقق من عدم وجود تداخل في المصالح بين الموضوعي والشخصي؟ وبعد ذلك، فإنه يجب إعادة بناء الطرح الجديد بأمانة وصدق وشفافية، بحيث يكون اعتراض الناقد موجّهًا إلى ما طُرح فعلًا من فكرة أو أفكار، لا إلى معنى نسبه هو إلى الآخرين أو قول تم تأويله تبعًا لمداركه!
- ثانيًا: ما المقصود بالمفاهيم التي يتم نقاشها؟ فقد ينشأ الخلاف من اختلاف مفهوم الحوار أو الحرية أو الحقيقة أو النقد بين الأطراف، قبل أن ينشأ من تعارض المواقف وبالتالي النتائج!
- ثالثًا: على أي افتراضات تقوم الفكرة أو الأطروحة؟ فكل أطروحة تنطلق من مقدمات، وبعض تلك المقدمات مصرّح به ومعلن، وبعضها ضمني أو في السياق العام للطرح، وقد يتساءل الناقد المتمكن في نقده الموضوعي ويناقش مدى مشروعيتها بوصفها مقدمات للفكرة.
- رابعًا: تحليل الأدلة والحجج لضمان تماسكها وصحة مصادرها. وهل تؤدي المقدمات إلى النتائج، أم يوجد اضطراب وتشوش وقفزات وثغرات وحلقات مفقودة في الاستدلال؟
- خامسًا: ما حدود صلاحية الفكرة أو الطرح زمانيًا ومكانيًا؟ وفي أي سياق يمكن الأخذ بها أو تجنبها؟ وما استثناءاتها؟ وما الحالات أو الاعتراضات التي تكشف قصورها؟
ويقتضي النقد الفلسفي والمنطقي أيضًا أن نُخضع المعايير للمساءلة: بأي حق نحكم على هذه الفكرة؟ وهل نملك تبريرًا للمعيار الذي نحاكمها به؟ فالنقد الموضوعي يفقد عمقه وحقيقته حين يعامل موقف الناقد كحقيقة معفاة من الفحص بسبب العواطف أو الانحياز أو المحاباة أو المجاملة أو الشللية أو الميول العرقية أو التعصب الجغرافي.
لهذا، ليس كل من كتب وغرّد أو فتح ديوانية ثقافية أو نشر مجموعة مقالات أو عددًا من الكتب نصنفه على أنه مفكر أو فيلسوف أو علّامة زمانه أو مجدد عصره أو فلتة من فلتات الدهر أو كاسر للصمت أو جريء في طرحه المشاكس.
لذا، فلعل العقلاء في أي مجتمع، قبل إعطاء النياشين وتوزيع ألقاب فخمة على أي شخص يحبه البعض أو يستفيد منه بعضهم الآخر، ينبّهون أبناء المجتمع الأوفياء إلى ضرورة التمحيص والتروّي والتمهل والتشخيص والغربلة وتفادي التسرع والالتزام بالموضوعية وتجنب العاطفة وقراءة المشهد كاملًا وتفعيل الانتقاد البناء قبل إطلاق، وأثناء إطلاق، وبعد إطلاق صفة مفكر أو فيلسوف أو علّامة على أي فرد.
تذكّر، أخي القارئ، أن من أخطر أنواع التلاعب بالعقول والسيطرة عليها هو إلباس الشخص فكرة ليست وليدة قناعاته ولا أفكاره، وجعله يتبناها في غياب وعيه ويقاتل من أجلها، مع عدم الإلمام بتبعاتها ودون بلوغ اليقين بالإيمان بها. فالأمر يتخطى حاجز الإقناع بفكرة خاطئة، بل أن يجعل بعضهم الآخر يعتقد أن الفكرة فكرته ويستميت من أجلها دون أي يقين بصحتها. ولذا يتم تمرير أفكار هابطة أو غير آدمية وتتعارض مع الحق والعدل والفطرة الإنسانية بسبب هالة معينة مصطنعة تحت لقب مفكر أو فيلسوف!
كتب الكاتب دان كو «Dan Koe» ما يلي: ”إذا أردت أن تصبح شخصًا يصعب التلاعب بأفكاره وقراراته، فعليك أن تتعلم كيف تفكر، لا أن تكتفي بما يُطلب منك التفكير فيه“. إذًا، فالإملاءات لا تعبّر عن إقناع بفكرة؛ لأن التضليل والسيطرة أدوات تحجب الإنسان عن بلوغ الوعي.
لعل بعض البشر يعلم بأن الفكرة ليست أن تعرف كل شيء في هذا الكوكب، بل أن تمتلك المرونة العقلية والفكرية التي تسمح لك برؤية أكثر من احتمال لذات الطرح والموضوع، وفهم وجهات النظر المتضادة والمتعارضة، وتمحيصها بآليات ومهارات محددة وفاعلة وراجحة، ثم تبنّي القناعة المناسبة واتخاذ القرارات المتعلقة بها بناءً على درجة الوعي والقناعة والاطمئنان.













