قَمِيصُ المَغْفِرَة

في غَسَقِ الليل...
حين كان الغدرُ ينسجُ خيوطَه
بأيدي القُربى،
أُلقيَ يوسفُ في غيابةِ الجُبّ،
وانكسرَ قلبُ الضوءِ في عتمةِ البئر.
وبقيت عيناه الصغيرتان
معلَّقتين بنافذة السماء،
كأنهما تسألان:
كيف تخونُ الأرضُ أبناءَها؟
وكيف يُطفئ الأخُ
قنديل الأُخوّة في قلبه؟
لم تكن البئرُ أعمقَ من الغدر،
ولا الليلُ أشدَّ ظلمةً
من قلوبٍ تآمرت
على قلبٍ بريء.
لكنَّ اللهَ
كان ينسجُ ليوسفَ
من ظلمةِ الجُبِّ
فجرًا لم يُولدْ بعد،
ويُخبِّئُ في الغيابِ
نورًا تعجزُ عن إطفائه
أيدي الذين ألقَوه.
ثم عاد القميص...
ملطَّخًا بدمٍ كاذب،
يحملُ حكايةً نسجها الغدر،
ولا يحملُ يوسف.
ضمَّه يعقوبُ إلى صدره،
كأنما يضمُّ ما تبقّى
من رائحة ابنه،
وبكى...
حتى صار الحزنُ نهرًا
يجري في عينيه،
ويأخذُ من ضوئهما
عامًا بعد عام.
يا ولدي...
قميصُكَ بين يديَّ،
لكنَّ أنفاسَكَ بعيدة،
وصوتُكَ غائبٌ
عن زوايا الحنين،
وأحلامُكَ تتناثرُ
على دروب الانتظار.
وكان الصبرُ
جمرةً تحت رماد قلبه،
وكان الشوقُ شجرةً
تُورقُ كلما طال الغياب.
وكان الله وحده
يعلمُ كم يتّسع قلبُ أبٍ
لانتظار ابنه.
وأمّا امرأةُ العزيز...
فقد راودت يوسفَ عن نفسه،
واستبدَّ بها الهوى،
وأُغلقت الأبوابُ حوله،
لكنَّ باب السماء
ظلَّ مفتوحًا.
فآثر العفّة،
واستعصم بالله،
ومضى بطُهره
كفجرٍ يشقُّ عتمة الليل.
كان القميصُ
شاهدًا آخرَ
على براءةٍ
حاولت الأيدي أن تمزّقها،
فما ازدادت
إلّا وضوحًا.
إنّه يوسف...
طفلٌ حفظ الجُبُّ سرَّه،
وشابٌّ امتحنت الفتنةُ قلبَه
فازداد نقاءً،
وسجينٌ لم تستطع الجدرانُ
أن تسجن نورَه.
ثم جعل اللهُ على يديه
للشدّة مخرجًا،
وللأيام العجاف
بابًا إلى النجاة.
حتى إذا نطقَ الجرحُ باسمِه،
وسقطتْ عن وجهِ السنين
أقنعتُها،
وارتجفتْ في حناجرهم
أسماءٌ
حسبوا أنَّ ظلمةَ الجُبِّ
قد طوتْها،
فإذا بيوسفَ
ينهضُ من قاعِ الغياب،
ويعودُ واقفًا
أمامَ أعينهم،
ليوقظَ في صدورهم
ماضيًا
ظنّوا أنَّ السنينَ قد دفنتْه.
أهذا يوسف؟
ذاك الذي تركناه
وحيدًا في ظلمة البئر؟
كيف خرج من قاع الغياب
إلى هذا المقام؟
كيف صار الذي أرادوا إطفاءه
نورًا تنحني أمامه عتمةُ السنين؟
نظر إليهم طويلًا...
وكان يستطيع
أن يفتح أبواب الماضي،
وأن يستدعي من أعماق البئر
كلَّ صرخةٍ لم يسمعها أحد.
كان يستطيع
أن يجعل من سلطانه
ميزانًا للقصاص،
ومن جراحه
حكمًا لا يُردّ.
لكنَّه اختار
ما هو أعظمُ من الانتقام.
اختار العفو.
وقال لهم:
?لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ? يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ? وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ?
يوسف: 92
عندها،
انحنت قلوبُهم قبل رؤوسهم،
لا خوفًا من عزيز مصر،
بل خجلًا أمام أخٍ
كان قادرًا على القصاص،
فاختار الصفح.
وفي تلك اللحظة،
لم يخرج يوسفُ وحدَه
من ظلمة البئر،
بل خرجت الحكايةُ كلُّها
من عتمة الغدر.
كأنَّ المغفرةَ
كانت قميصًا من نور،
ألبسَه يوسفُ
لأيامٍ مزَّقتها الخيانة.
وهكذا،
ألبسَ الحكايةَ
قميصَ المغفرة.
ثم جاءت البشارة...
يا يعقوب...
ها هو القميصُ
يعود إليك مرةً أخرى.
لكن شتّان بين قميصٍ وقميص!
الأولُ جاءك
وعليه كذبةُ الفراق،
والثاني جاءك
يحملُ صدقَ اللقاء.
الأولُ كان شاهدًا
على بدء الحزن،
والثاني جاء
ليعيد إلى الروح ضياءها.
وقبل أن تصل القافلة،
كان قلبُ الأب
أسرعَ من خُطاها.
وقلتَ:
?إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ?
يوسف: 94
كأنَّ الشوقَ
له حاسّةٌ لا يعرفها سواه،
وكأنَّ الأرواحَ
إذا صدقت محبتُها،
تشمُّ حضورَ أحبّتها
قبل أن تراهم العيون.
وأُلقي القميصُ
على وجه يعقوب،
فعاد إليه بصرُه.
وكأنَّ النور
الذي غادر عينيه
في سنوات الحزن،
كان ينتظرُ
بشارةَ يوسف ليعود.
واغتسلت الروحُ
من غبار السنين،
وسقطت عن كتفي الأب
أثقالُ الانتظار.
ثم جاء اللقاء...
حين اجتمع يوسفُ بأبيه
بعد ذلك الفراق الطويل،
تكسَّرت ساعاتُ الغياب،
وتراجع الماضي بعيدًا،
وسكت الحزنُ
كأنَّه لم يعرف الطريق إليهما.
لم تعد الكلمات تكفي.
كان العناقُ لغةً،
والدموعُ صلاةَ شوق،
والقميصُ شاهدًا
على رحلةٍ بدأت بدمٍ كاذب،
وانتهت ببشارةٍ صادقة.
وبين القميصين
امتدَّ عمرٌ كامل:
جُبٌّ...
وسجنٌ...
وفراقٌ...
وصبرٌ...
وعفوٌ...
ولقاء.
وقد يأكل الحزنُ
من عينيك أعوامًا،
ثم تأتيك البشارةُ
من الطريق الذي ظننتَ
أنَّه لن يعود منه أحد.
فليس كلُّ جُبٍّ نهاية،
ولا كلُّ غيابٍ موتًا،
ولا كلُّ قميصٍ ملطَّخٍ بالدم
يقول الحقيقة.
وبين قميصِ الفقد
وقميصِ اللقاء...
كان القدرُ
يكتب الحكاية.












