آخر تحديث: 16 / 10 / 2026م - 12:07 ص

ماذا بعد استهداف الحوثيين المطارات المدنية السعودية؟!

حسن المصطفى * صحيفة الشرق الأوسط

وفاة و 11 مصاباً، وقعوا نتيجة الاستهداف الحوثي لمطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية «الرياض»، يوم الأحد 11 أكتوبر «تشرين الأول» الجاري، وقبلها أعلنت «هيئة الطيران المدني» عن وفاة 12 شخصاً وإصابة 302، في هجوم للحوثيين استهدف المطار ذاته، يوم السبت 10 أكتوبر، فضلاً عن اعتداءات طالت مطار الملك فهد الدولي في الدمام، وقبلها مطارات: أبها، وجازان، ونجران؛ ما يعني أن الميليشيات الحوثية استهدفت 5 مطارات مدنية سعودية خلال أكتوبر الجاري!

هذا التركيز على المطارات يرومُ من خلاله الحوثيون خلق هالة من الذعر بين المواطنين والمقيمين، ورفع التكلفة الاقتصادية والعسكرية والإنسانية على السعودية، وبالتالي التأثير على المعنويات.

أيضاً، تسعى الجماعة الحوثية إلى تحسين موقفها الميداني والتفاوضي؛ خصوصاً أنها تعاني من أزمات مالية واجتماعية في المناطق التي تسيطر عليها، وخلال الأسابيع الأخيرة تخوض معارك يومية عنيفة مع قوات الحكومة اليمنية الشرعية، وقُتل مئات من أفرادها، ويتعرض كثير من مخازن ذخيرتها ومقارها الحربية لغارات يومية مكثفة يقودها «تحالف دعم الشرعية» ضمن بنك أهداف دقيق ومحدد، وُضع بناء على رصد استخباراتي ومعلومات من مصادر على الأرض، في معركة ضارية لن تكون سهلة، وقد تمتدُّ فترة أطول.

هذا الضغط المادي والاجتماعي والعسكري، يسعى الحوثيون إلى مواجهته من خلال استهداف الأعيان المدنية ومصادر الطاقة، معتقدين أن ذلك سوف يدفع الرياض للحديث مع الوسطاء، من أجل حث الحوثيين على التوقف عن استهداف المملكة، وبالتالي سيطلب الحوثي ثمناً لذلك، وتكون هنالك مقايضة قائمة على الابتزاز السياسي - الاقتصادي؛ بمعنى المال والنفوذ مقابل الأمن!

أمرٌ آخر، تظنُّ قيادة الحوثيين في صعدة أن «التفاهم الشفهي» الذي جرى سابقاً بينهم وبين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأوقفت الولايات المتحدة بموجبه قصفها للحوثيين، مقابل تعهدهم بعدم التعرض للسفن الأميركية، يمنحها القدرة على تحييد واشنطن؛ خصوصاً أنها أوصلت رسائل عبر السفارة الأميركية في سلطنة عمان، قالت فيها إنها لن تتعرض للمصالح الأميركية، في محاولة لتحييد الرئيس ترمب، ودق إسفين بينه وبين الرياض.

هكذا يفكر الحوثيون، وهم يأملون في أن تُفلح سياساتهم في تحقيق أهدافهم التي إن نجحوا في إدراكها فسوف تتحول إلى سلوك دائم تمارس فيه الابتزاز، وأخذ المدنيين رهينة مقابل البقاء في السلطة.

لو قرأنا السلوك الحوثي ومآربه بشيء من الهدوء والتحليل السياسي المنطقي، فسنجد أنه يبني فرضيته على تصور غير واقعي، لا يأخذ في الاعتبار التغيرات الكبرى التي جرت في الإقليم منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى الآن، وهي تبدلات عميقة جداً، فقَدَ فيها حلفاء الحوثي في «محور المقاومة» ««حزب الله»، و«حماس»، والفصائل العراقية؛ ومعهم الناظم لأمرهم النظام الإيراني» كثيراً من عناصر القوة، وباتوا أقل قدرة على فرض أجنداتهم؛ خصوصاً بعد خروج نظام بشار الأسد من سوريا، ومقتل كل من المرشد علي خامنئي، وأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله.

صحيح أنه ما زال لدى «الحرس الثوري» و«فصائل المقاومة» القدرة على الإيذاء، عبر إطلاق «المُسيَّرات» والصواريخ الباليستية، إلا أنها عمليات - على ما تسببه من خسائر في الأرواح والأموال - يمكن تحمل تكلفتها، وليس من شأنها أن تغيِّر من موازين القوى بشكل جذري.

من جهتها، السعودية - عبر منظومتها الدفاعية - استعدَّت لهذه التهديدات، وهي رغم وقوع عدد من الإصابات بين المدنيين وفي المطارات وإمدادات النفط، ورغم ما سببته من خسائر وحالٍ من الحنق الشعبي الواسع تجاه الحوثيين، فإن معدل تصدي الدفاعات الجوية للصواريخ الباليستية والطائرات المُسيَّرة يعتبر عالياً، ما يدل على كفاءة «القوات المسلحة» وجاهزيتها، رغم أنها تعرضت لاعتداءات طالت مناطق عدة في المملكة، ومن جهات خارجية عدة: «الحرس الثوري» الإيراني باتجاه المنطقة الشرقية والوسطى، و«الفصائل العراقية المسلحة» من الحدود الشمالية للمملكة باتجاه خطوط إمداد النفط، ومن الحوثيين باتجاه العاصمة والجنوب وغرب السعودية.

دولة مترامية الأطراف، مثل السعودية، تتعرض لمخاطر حقيقية من جهات معادية، وبأساليب متنوعة، ومع هذا تسير فيها الحياة بشكل طبيعي في محافظاتها ومدنها وقراها؛ ذلك أمرٌ يمنح المواطنين والمقيمين شعوراً أكبر بالأمن، ويمنحهم ولاءً أوسع لحكومتهم، وفي الوقت ذاته يعزز السلم المجتمعي ويحصِّن الجبهة الداخلية، وهذا ما يفسر حالة الغضب التي سادت لدى الشعب السعودي بعد الاعتداءات الإرهابية الحوثية، وهو غضب إيجابي، أعلى من شأن الهوية الوطنية، من دون السقوط في فخ الشعاراتية والشعبوية؛ بل عمَّق الاصطفاف خلف القيادة، والثقة بقراراتها السياسية والعسكرية.

ومن ناحية الحكومة السعودية؛ فإنَّ مَن يتتبع البيانات التي يصدرها «مجلس الوزراء» و«وزارة الخارجية» و«وزارة الدفاع» وأيضاً بيانات «تحالف دعم الشرعية» الذي تُعتبر الرياض قطب الرحى فيه، يجد أن المملكة عازمة على التعامل مع الحوثيين بحزم؛ ليس لأنها لا تفضل الحل الدبلوماسي؛ بل على العكس من ذلك، فقد منحت الحلول السلمية سنوات عدة، من دون أن يستفيد الحوثيون من هذه الفرص. والسعودية باتت على قناعة بأنه لا مجال لتَرك الحوثيين يمارسون عمليات القتل والإرهاب من دون رادع، وإلا تحوَّل ذلك إلى سلوك دائم. وعليه، تعمل الرياض على دعم المجهود الحربي لعملية «فجر اليمن»، ومساندة القوات التي تقاتل الحوثيين على الأرض، وفي الوقت ذاته تواصل عملياتها الجوية الدقيقة من خلال «التحالف»، وتؤازر ذلك «القوات المسلحة» في التصدي للصواريخ والطائرات المُسيَّرة التي تستهدف المملكة.

إذن، وفق قراءة سياسية غير متعجلة وغير رغبوية، يمكن القول إن الحوثيين لن يحققوا مرادهم؛ فلا الرياض سوف تقبل بأن تكون رهينة للإرهاب، ولا المجتمع الدولي سيرضى أن تكون هنالك جماعة خارجة على القانون تعيق الملاحة الآمنة في مضيق باب المندب.

أما الشعب السعودي؛ فإن مَن يراقب سلوكه سيجد أنه مؤيد لقرار مواجهة الحوثيين وإضعاف قدراتهم، ودفعهم إلى وقف الاعتداءات بشكل دائم؛ لأن هذا المجتمع يعي جيداً أن التكلفة التي تُدفع الآن - مهما كانت - أقل من تلك التي ستُدفع مستقبلاً لو قوي الحوثيون وحلفاؤهم من المجاميع الإرهابية والخارجة على القانون، فلكلِّ شيء ثمن، والأمن يصان بالقوة التي ترفد الدبلوماسية وتلازمها، وتجعلها قادرة على فرض السلم والاستقرار والامتثال للقانون الدولي.

عسكرياً وسياسياً، ستتحرك الرياض وفق مصالحها الوطنية والقومية، وبما يتواءم مع أهداف «رؤية المملكة 2030» التي تريد تحقيق التنمية وبناء اقتصاد متنوع ودولة مدنية حديثة؛ ولذا، فإن ردها على الإرهاب الحوثي سيكون وفق قواعدها هي، وبما يحفظ مصالحها أولاً وقبل كل شيء، ويدرأ عنها الاعتداءات، لا وفق ما يقرره الحوثيون أو أي طرف إقليمي آخر.