آخر تحديث: 14 / 10 / 2026م - 1:12 ص

حين تتجدد اللغة وتبقى الأسئلة في مكانها

نزار المصطفى


ليست الحركة الثقافية بكثرة ما تصدر من كتب، ولا بعدد ما يُعقد من أمسيات، ولا بما يتردد في المجالس من مصطلحات تبدو للوهلة الأولى كأنها نوافذ فُتحت على عوالم لم نعرفها من قبل. فهذه كلها مظاهر يمكن أن تدل على حيوية المشهد الثقافي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على ما يجري في أعماقه. ثمة سؤال آخر، أكثر إلحاحاً وأشد اتصالاً بجوهر الثقافة: ماذا أضافت هذه الحركة إلى وعينا؟ وأي باب فتحته أمام عقولنا لم يكن مفتوحاً من قبل؟ وهل نحن أمام أسئلة جديدة حقاً، أم أننا نعيد طرح الأسئلة القديمة، ونمنحها لغة أكثر حداثة، ثم نحتفي بها كأننا اكتشفناها للمرة الأولى؟

إن السؤال الثقافي لا تتحدد قيمته بحداثة ألفاظه، وإنما بقدرته على زحزحة ما استقر في أذهاننا، وإعادة النظر فيما حسبناه من المسلمات. وقد نقرأ نصاً مكتوباً اليوم، فنجد مفرداته تنتمي إلى زمننا، ومصطلحاته تستعير أحدث ما أنتجته المعارف الإنسانية، لكننا حين نتجاوز سطحه إلى أعماقه لا نعثر إلا على الفكرة نفسها التي قيلت مراراً، وعلى الموقف نفسه الذي اعتدنا سماعه، وعلى إجابة جاهزة تبحث عن سؤال يبرر وجودها.

وهنا تكمن المفارقة؛ فقد تتغير اللغة من حولنا، فيما يظل التفكير ساكناً في مكانه.

وليس في العودة إلى الأسئلة القديمة ما يدعو إلى الاعتراض في ذاته؛ فبعض الأسئلة لا تشيخ، لأنها تتصل بالإنسان في وجوده وقلقه وحريته ومصيره. سؤال الحقيقة، مثلاً، لم يفقد قدرته على إرباك العقول منذ الفلسفة اليونانية حتى يومنا هذا، كما أن أسئلة العدالة والموت والحب والحرية لا تزال تستدعي مزيداً من التأمل كلما ظن الإنسان أنه اقترب من الإجابة عنها. غير أن الفرق كبير بين أن نعود إلى السؤال لنكتشف فيه ما لم نكتشفه من قبل، وأن نعود إليه لنكرر الإجابة ذاتها، ثم نكتفي بتغيير العبارة التي تحملها.

الأول فعل ثقافي حي، والثاني دوران في المكان.

ولعلنا إذا تأملنا تجربة أبي حيان التوحيدي، أدركنا أن قيمة السؤال لا تنفصل عن قدرته على تعرية الإنسان من يقينياته المريحة. ففي كتابه «الإمتاع والمؤانسة» لا نجد مجرد أحاديث متفرقة أو معارف تتجاور في صفحات، بل نجد عقلاً يتحرك بين الأفكار، ويختبر المعرفة في علاقتها بالحياة، ويضع الإنسان أمام تناقضاته وأسئلته التي لا تستقر على جواب نهائي. وكذلك فعل الجاحظ حين جعل من النظر في طبائع البشر وعاداتهم ومفارقاتهم مادة للمعرفة، فلم يكن يكتفي بنقل ما يراه، بل كان ينفذ من الظاهرة إلى ما وراءها، ومن الحكاية إلى دلالتها، ومن المألوف إلى ما يستحق أن يُعاد التفكير فيه.

لم يكن التجديد عند هؤلاء في العثور على ألفاظ لم يعرفها الناس، وإنما في العثور على زوايا جديدة للنظر إلى ما يعرفونه.

وفي تراثنا الشعري، ثمة شواهد أكثر قرباً من هذه الفكرة. حين قال أبو الطيب المتنبي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ

وتأتي على قدر الكرام المكارمُ

لم يكن يضع أمامنا حكمة يمكن حفظها وترديدها فحسب، بل كان يفتح علاقة بين الإرادة والفعل، وبين قيمة الإنسان وما يستطيع أن ينهض به من أعباء. وحين نقرأ البيت في زمننا، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند إعجابنا ببلاغته، بل يمتد إلى حياتنا الثقافية نفسها: أين يظهر العزم في إنتاج المعرفة؟ وأين تتجلى المكارم في قدرتنا على الاعتراف بالحقيقة، حتى حين تخالف ما ألفناه أو ما نرغب في تصديقه؟

إن استدعاء التراث لا يكون حياً لمجرد أننا نزين به مقالاتنا، ولا لأننا نكرر شواهده في مناسباتنا الثقافية، وإنما حين نعيد تشغيل طاقته في الحاضر، ونسمح له بأن يسائلنا بقدر ما نستشهد به.

ومن هنا، فإنني لا أرى المشكلة في أن تتكرر الموضوعات الثقافية؛ فالتكرار جزء من طبيعة المعرفة الإنسانية، بل قد يكون ضرورياً لتعميقها. المشكلة أن يتكرر الموضوع من غير أن تتقدم معه الرؤية، وأن يتكاثر الكلام فيما يتراجع الإصغاء، وأن تصبح المصطلحات الجديدة ستاراً يحجب قِدَم الأسئلة بدلاً من أن تكشف حاجتنا إلى تجديدها.

قد نتحدث عن الحداثة، ثم نمارس في تفكيرنا أشد أشكال التقليد. وقد نرفع شعار الاختلاف، ثم نضيق بأول رأي يخرج عن المألوف. وقد ندعو إلى حرية الإبداع، فيما ننتظر من المبدع أن يقول ما نحب سماعه، لا ما اكتشف أنه جدير بالقول. وقد نحتفي بالنقد، ما دام يضع الآخرين تحت مجهره، ثم نعدّه إساءة حين يقترب من نصوصنا أو أفكارنا.

هذه ليست مفارقات لغوية عابرة، بل علامات على المسافة التي قد تفصل بين ما تعلنه الثقافة وما تمارسه بالفعل.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب الحركة الثقافية أن تتحول إلى دائرة مغلقة، يتبادل أفرادها الإعجاب، وتدور أفكارها في المجال نفسه، وتعيد إنتاج الأسماء والموضوعات والاحتفاءات ذاتها، حتى يخيل إلينا أن كثافة الحضور تعني بالضرورة عمق الأثر. والحقيقة أن الثقافة لا تُقاس فقط بمن حضروا، ولا بما قيل على المنابر، وإنما بما بقي من ذلك كله في عقول الناس بعد انفضاض المجالس، وبما أحدثه من مراجعة في طرائق فهمهم للحياة والإنسان والعالم.

وهنا تبرز مسؤولية الصحافة الثقافية، لا بوصفها ناقلاً لما يجري في المشهد، بل بوصفها طرفاً في تشكيل الوعي به. فالمقال الثقافي الذي يكتفي بعرض المنجزات والإشادة بأصحابها قد يؤدي وظيفة تعريفية مشروعة، لكنه لا يستنفد وظيفة الثقافة في الصحافة. ثمة حاجة إلى مقال يسأل عما وراء المنجز، ويمتحن الأفكار في ضوء نتائجها، ويضع التجربة الإبداعية في سياقها الإنساني، ويفتح النقاش حيث تميل المجاملة إلى إغلاقه.

وليس المقصود أن تتحول الصحافة الثقافية إلى محكمة، أو أن يصبح الاعتراض غاية في ذاته، وإنما أن تستعيد الكلمة قدرتها على إحداث شيء من القلق الخلّاق. فالثقافة التي لا تحتمل السؤال المختلف، ولا تفسح المجال للرأي الذي يختبر مسلماتها، تخاطر بأن تتحول إلى ممارسة احتفالية تؤكد ما نعرفه بدلاً من أن توسع حدود معرفتنا.

ولعلنا نحتاج هنا إلى استحضار تجربة محمد العلي، بما تمثله من إصرار على النظر إلى اللغة والفكر والإنسان من زوايا لا تستسلم للمألوف. إن قيمة التجربة الفكرية لا تكمن في أن نتفق مع صاحبها في كل ما يقول، بل في أنها تدعونا إلى إعادة النظر، وتدفعنا إلى اكتشاف أن العبارة التي نرددها بسهولة قد تخفي وراءها مشكلة لم نفكر فيها بما يكفي. فالمفكر الحقيقي لا يمنحنا دائماً أجوبة نستريح إليها، وإنما يضعنا أمام أسئلة تجعل راحتنا موضع مراجعة.

وهذا، في تقديري، أحد المعايير التي يمكن أن نقيس بها حيوية المشهد الثقافي: هل ينتج عقولاً قادرة على الاختلاف، أم ينتج جمهوراً يتقن ترديد ما يسمعه؟ هل يفتح أمام المبدع أفقاً للمغامرة، أم يدفعه إلى إعادة إنتاج الصورة التي أحبها المتلقي عنه؟ وهل يمنح النقد مساحة للكشف والمساءلة، أم يحصره في حدود الثناء الذي لا يجرح أحداً ولا يغير شيئاً؟

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس ما إذا كنا ننتج أسئلة جديدة فحسب، بل لماذا يصعب علينا أحياناً أن نطرح بعض الأسئلة كما ينبغي.

ما السؤال الذي لم نجرؤ بعد على مواجهته بجدية؟

أحسب أن السؤال الأعمق هو: هل نريد من الثقافة أن تغيّر وعينا حقاً، أم نريد منها أن تمنح وعينا القائم لغة أجمل وصورة أكثر إشراقاً؟

قد يبدو هذا السؤال بسيطاً، لكنه يمس العلاقة بين الثقافة وصورتنا عن أنفسنا. فنحن نحب أن نرى أنفسنا في صورة المجتمع الذي يقرأ ويناقش ويحتفي بالمبدعين، ونعتز بما نملكه من تراث أدبي وفكري، ونستحضر أسماء كبيرة أسهمت في تشكيل ذائقتنا ووعينا. لكن هل نسمح لهذه الثقافة بأن تتجاوز حدود الاعتزاز إلى المراجعة؟ وهل نقبل أن تكشف لنا عن جوانب القصور في ممارساتنا، وأن تضع أمامنا ما لا نحب رؤيته في أنفسنا؟

إن السؤال الذي لم نطرحه بما يكفي، في تقديري، ليس متعلقاً بعدد الكتب التي نقرأها، أو بعدد الندوات التي نعقدها، أو بعدد المنابر التي تتسع لأصواتنا، وإنما بمدى استعدادنا لدفع ثمن المعرفة حين لا تأتي على مقاس رغباتنا. فهل نستطيع أن نختلف من دون أن نحوّل الاختلاف إلى خصومة شخصية؟ وهل نملك شجاعة الاعتراف بأن نصاً أعجبنا قد يكون أقل عمقاً مما تصورنا، وأن فكرة دافعنا عنها طويلاً ربما تحتاج إلى مراجعة، وأن مبدعاً نحبه لا يعفينا حبنا له من مساءلة منجزه؟

هذه أسئلة تتصل بأخلاق الثقافة قبل أن تتصل بأدواتها، وباستعداد الإنسان للانكشاف أمام الحقيقة قبل استعداده للحديث عنها.

وليس من السهل أن نطرح هذه الأسئلة؛ لأنها لا تضع الآخرين وحدهم موضع المساءلة، بل تعيد السؤال إلينا نحن أيضاً. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي: أن نخرج من موقع من يوزع الأحكام إلى موقع من يقبل أن يكون موضوعاً لها، وأن ندرك أن الثقافة لا تمنحنا حصانة من الخطأ، بل توسع قدرتنا على اكتشافه.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً في حركتنا الثقافية اليوم هو: كيف نبني ثقافة لا تخاف من مراجعة نفسها؟

ثقافة لا تتعامل مع النقد بوصفه انتقاصاً من قيمة المبدع، ولا مع الاختلاف بوصفه تهديداً لوحدة المشهد، ولا مع الأسئلة المحرجة بوصفها خروجاً على آداب الحوار. ثقافة تستطيع أن تحتفي بالمنجز، من دون أن تجعل الاحتفاء بديلاً عن قراءته، وأن تحترم الأسماء الكبيرة، من دون أن تحوّل مكانتها إلى حاجز يحول دون مساءلة أعمالها، وأن تصون الذاكرة، من دون أن تسجن الحاضر في داخلها.

إننا لا نحتاج إلى القطيعة مع الأسئلة القديمة، بل إلى تحريرها من الإجابات التي استهلكها التكرار. ولا نحتاج إلى التخلي عن تراثنا، بل إلى أن نقرأه بعين لا تكتفي بما قاله أسلافنا، وإنما تتساءل عما يمكن أن يقوله لنا اليوم. ولا نحتاج إلى إغراق المشهد الثقافي بالمصطلحات الجديدة، بقدر حاجتنا إلى أفكار تبرر حضورها، وتجارب تثبت أن اللغة تستطيع أن تكون طريقاً إلى اكتشاف العالم، لا مجرد غطاء أنيق لما نعرفه سلفاً.

فالثقافة لا تتجدد حين تتغير مفرداتها وحدها، وإنما حين تتغير علاقتنا بما نفكر فيه، وبمن نختلف معهم، وبما نعتقد أننا نعرفه. ولا تصبح الحركة الثقافية حية لمجرد أنها تتحرك، بل حين يكون لحركتها اتجاه، ولأسئلتها أثر، ولما تنتجه قدرة على فتح نوافذ لم نكن نراها.

وفي النهاية، ربما لا تكون المسألة في أن نسأل: هل ننتج أسئلة جديدة أم نعيد إنتاج الأسئلة القديمة بلغة جديدة؟ فالسؤالان ليسا نقيضين بالضرورة؛ إذ تستطيع الأسئلة القديمة أن تولد من جديد إذا دخلنا إليها بوعي مختلف، كما تستطيع الأسئلة التي تبدو جديدة أن تكون مجرد أقنعة لمواقف لم تتغير.

المسألة الأهم هي: ماذا يحدث لنا حين نسأل؟ هل نخرج من السؤال كما دخلناه، أم يحدث في داخلنا شيء يجعلنا نرى أنفسنا والعالم على نحو مغاير؟

ذلك هو الفارق بين ثقافة تستهلك الأسئلة وثقافة تنتج المعرفة، وبين لغة تكتفي بلمعانها ولغة تفتح في الوعي شقوقاً يتسلل منها الضوء.

فالسؤال الذي يستحق أن نبدأ منه ليس ما الجديد الذي نقوله اليوم، وإنما ما الذي أصبحنا قادرين على رؤيته اليوم، بعد أن كنا عاجزين عن رؤيته بالأمس.

هناك، في هذه المسافة الصغيرة بين ما نعرفه وما نجرؤ على مراجعته، تبدأ الثقافة في استعادة معناها، وتبدأ الحركة الثقافية في إثبات أنها ليست مجرد حركة في المشهد، بل حركة في العقل والروح والحياة.