آخر تحديث: 12 / 10 / 2026م - 2:03 ص

الشيخ الصفار يحتفي بالدكتور المعتوق.. وإصدار يوثق الذاكرة التاريخية لجزيرة تاروت

جهات الإخبارية تصوير: حسن الخلف - القطيف

استعاد الأكاديمي والأديب الدكتور أحمد المعتوق ذاكرة جزيرة تاروت وتاريخها الاجتماعي واللغوي في كتابه الجديد ”تاروت: الجزيرة الخضراء ومرفأ الأزمنة - سيرة مدينة“، الذي يوثق ملامح الحياة في الجزيرة عبر سبعة فصول، تتناول جغرافيتها ومواردها الطبيعية وشخصياتها ومهنها المتوارثة وظواهرها البيئية واللغوية، وصولًا إلى توصيات تدعو إلى صون تراثها واستثماره سياحيًا وثقافيًا.

وجاء ذلك خلال أمسية ثقافية احتضنها مجلس الشيخ حسن الصفار في جلسته الأسبوعية بمحافظة القطيف، مساء الجمعة، احتفاءً بصدور الكتاب، بمشاركة عدد من الأدباء والمثقفين استعرضت مسيرة المعتوق العلمية وإسهاماته الأدبية، وأبرزت أهمية توثيق الذاكرة المحلية بوصفها جزءًا من تاريخ المجتمع وهويته.

وأوضح المعتوق أن الكتاب، الذي يقارب 450 صفحة، بدأ مشروعًا مقاليًا قبل أن تتجمع مادته في إصدار متكامل، مؤكدًا أنه لا يتبع منهج البحث الأكاديمي الجدلي، بل يمثل، على حد وصفه، ”إملاءً وجدانيًا“ لمشاعره تجاه الجزيرة التي نشأ فيها حتى عام 1972، حيث هاجر للعراق لمدة عشرين عامًا، وظلت تاروت حاضرة في ذاكرته وكتاباته.

موقف عزز شغفه بتاروت

وكشف الدكتور أحمد المعتوق عن موقف طريف ومؤثر وقع له داخل ”مكتبة الساحل الذهبي“، كان بمثابة الشرارة الوجدانية التي ألهمته لاحقًا لتأليف كتابه الشامل عن جزيرة تاروت.

وأوضح أنه التقى مصادفةً بأحد الأشخاص داخل المكتبة، فبادره الرجل بدعوته إلى قراءة مجلة تضم مقالًا عن جزيرة تاروت، دون أن يعلم أن من يخاطبه هو نفسه كاتب المقال، الدكتور أحمد المعتوق، الذي كانت صورته منشورة إلى جانب المقال.

وأضاف أنه رد على الرجل مازحًا بالتساؤل عن أهمية تاروت وما الذي يميزها، متظاهرًا بعدم الاكتراث بمكانتها، إلا أن الرجل لم يدرك أنه يمزح، فأثارت مزحته استياء الرجل، وأخذ يدافع بحماس عن الجزيرة وتاريخها، مستنكرًا ما اعتبره تقليلًا من شأنها.

وبين أن صاحب المكتبة تدخل لتهدئة الموقف، موضحًا للرجل أن الشخص الذي أثار غضبه هو نفسه صاحب المقال الذي دعاه إلى قراءته، ولفت انتباهه إلى صورته المنشورة في المجلة، والتي لم يكن قد تنبه إليها.

وأشار المعتوق إلى أن غيرة الرجل الصادقة على تاروت، وحماسه العفوي للدفاع عنها، تركا أثرًا عميقًا في نفسه، وعززا اعتزازه بالجزيرة ورغبته في توثيق تاريخها وذاكرتها.

وبين أنه مع تعثر نشر الجزء الثاني من المقال، اتجه إلى كتابة مقالات وقصائد عن الجزيرة في صحف ومجلات أخرى، من بينها صحيفة ”الرياض“ ومجلة ”الحرس الوطني“، قبل أن يجمع تلك المواد في كتابه الجديد.

سبعة فصول

وتتوزع مادة الكتاب على سبعة فصول، بدأ أولها بالجغرافيا المكانية لتاروت، بما تتضمنه من قلاع وعيون وسواقي، إلى جانب موقع ميناء دارين ودوره التاريخي. وتناول الفصل الثاني طبيعة الجزيرة وأرضها وثروتها المائية والزراعية وتنوع الطيور فيها، وما تركته هذه البيئة من أثر في الأدباء والشعراء.

أما الفصل الثالث، فرصد الحياة الاجتماعية والتركيبة السكانية للجزيرة، وما شهدته من استقرار عائلات قدمت من مناطق مختلفة من الخليج، بينها عائلات عمانية وكويتية وبحرينية، إلى جانب توثيق المهن المتوارثة والطب الشعبي والحراك الديني والثقافي ودور المجالس والخطباء في تشكيل الحياة المحلية.

وخصص المعتوق الفصل الرابع للصور والشخصيات التي أسهمت في الحياة الاجتماعية والعلمية والاقتصادية في تاروت، وفي مقدمتها والده الشيخ محمد تقي آل معتوق وعمه الشيخ عبدالله المعتوق، إلى جانب شخصيات أخرى شاركت في مشاريع زراعية واقتصادية وتعليمية.

كما يتناول الكتاب دور المرأة التاروتية في الحياة الاجتماعية ومجالات الفنون والخياطة والتربية، فيما يرصد الفصل السادس ظواهر محلية، من بينها استخدام الأهالي وسيلة عُرفت باسم ”المضوي“ لإنارة ظلام البحر ليلًا، ووجود ينابيع مياه عذبة وسط مياه البحر المالحة.

ويختتم الكتاب فصوله برصد الظواهر اللغوية في الجزيرة، من خلال ثلاثة جداول لألفاظ محلية ذات جذور هندية وتركية وفارسية، إلى جانب مفردات أجنبية، في محاولة لتوثيق أثر التفاعل الحضاري والتاريخي في لغة المجتمع المحلي.

موارد تاروت وازدهار ميناء دارين

وفي حديثه عن العلاقة التاريخية بين تاروت ودارين، أشار المعتوق إلى أن دارين اشتهرت بوصفها مرفأً بحريًا استقبل السفن وتداولت فيه بضائع ثمينة، بينها المسك والعنبر، مؤكدًا أن ازدهار المرفأ ارتبط بما وفرته تاروت من موارد غذائية ومائية، بفضل بساتينها وعيونها الطبيعية.

ووصف المعتوق تاروت بأنها ”الزبرجدة الجميلة“، مستحضرًا صورتها في ذاكرته بما كانت تزخر به من بساتين وعيون طبيعية وأسراب طيور، قبل أن تندثر كثير من معالمها البيئية.

وفي ظل اهتمام الدولة بصون التراث الوطني والمحافظة على المواقع التاريخية والأثرية، دعا المعتوق في ختام حديثه إلى تعزيز العناية بالتراث المعماري والجمالي لجزيرة تاروت، واستثمار معالمها التاريخية والثقافية، والاهتمام بآثارها المنقولة، إلى جانب إنشاء مرافق سياحية وثقافية تسهم في إبراز مقومات الجزيرة وتعريف الأجيال بتاريخها.

الشيخ الصفار: توثيق الذاكرة يعزز الهوية الوطنية

من جانبه، أكد الشيخ حسن الصفار أن تقدير الكفاءات والطاقات الوطنية من مؤشرات وعي المجتمع وتقديره لمبدعيه، مشيرًا إلى أن الاحتفاء بالمبدع في محيطه الاجتماعي يترك أثرًا نفسيًا عميقًا.

وأشاد الشيخ الصفار بالجهد التوثيقي الذي يقدمه الكتاب، معتبرًا أن تسجيل سيرة المجتمع من خلال المشاهدة والمعايشة واستعادة ذكريات الآباء تمثل وسيلة مهمة لحفظ التاريخ وتعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة.

ولفت إلى أن الكتاب لا يقتصر على سرد الوقائع التاريخية، بل يستعيد تفاصيل الحياة اليومية، من حمام تاروت التاريخي وموائد الطعام إلى الأسواق الشعبية، بما يمنح القارئ صورة حية عن البيئة الاجتماعية والإنسانية للجزيرة.

شهادات أدبية ومشاركة شعرية

وشهدت الأمسية كلمة مسجلة للدكتور السيد عدنان الشخص، الذي اعتذر عن عدم الحضور لظروف طارئة، استعاد فيها علاقته بالمعتوق منذ أيام دراستهما في مدينة النجف، مشيدًا بمكانته الأكاديمية والأدبية، وبأثره في آلاف الطلاب خلال مسيرته أستاذًا في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

كما قدم الكاتب زكي البحارنة كلمة استعرض فيها السيرة العلمية والأدبية للمعتوق، الذي حصل على درجة الدكتوراه في الأدب والنقد من جامعة بنسلفانيا الأمريكية عام 1987، وشارك في مؤتمرات وملتقيات أدبية، وكتب في النقد والقصة والشعر والبلاغة وعلم النفس التربوي.

واختُتمت المشاركات الأدبية بقصيدة للشاعر شفيق العبادي، استحضر فيها جمال تاروت ومكانتها في الذاكرة، مستهلًا بقوله: ”لم تكن مجرد شامة تضيء وجه صبية“، ومنشدًا: ”يا لحن تاروت الذي داعبت أوتاره قيثارة الذكرى.. فاستيقظت أطيافها لوحة تحضن في مرآتها الفجرا“.