آخر تحديث: 12 / 10 / 2026م - 2:06 ص

الفستان الذي لم نشترِه

رائدة السبع * صحيفة اليوم

في متجرٍ مزدحم بالفساتين، رأيتُ وجود، ابنتي الجميلة، بعينٍ لم أرها بها من قبل. كانت تتنقل بين الألوان والقصّات، وتتوقف عند ما يروق لها، وتمضي عمّا لا يشبهها. أما أنا، فكنت أتحسس القماش، وأتفحص الخياطة، وأتحرى جودةً لا تظهر من النظرة الأولى.

كنا نقف أمام الفستان نفسه، لكن كل واحدةٍ منا كانت تراه بعينٍ مختلفة.

هي كانت تبحث عن فستانٍ يشبهها، وأنا كنت أبحث عن فستانٍ يستحقها.

راقبتها وهي ترفع الفستان أمامها، ثم تضعه جانبًا وتعود إلى آخر. لم تعد تسألني: «هل هذا أجمل؟» كما كانت تفعل وهي صغيرة، بل قالت: «أظن أن هذا يشبهني أكثر». توقفتُ عند عبارتها أكثر مما توقفتُ عند الفستان.

«يشبهني».

تذكرتُ كيف كنت أختار لها حين كانت صغيرة. كنت أقول: هذا أجمل، وهذا أنسب، وهذا لا يليق بكِ. كانت تثق بعيني، فأختار لها، وتختار معي.

أما الآن، فلم تعد تحتاج إلى أمٍّ تختار عنها، بل إلى أمٍّ تساعدها على أن تعرف نفسها. وهنا تذكرتُ قول المؤرخة الأمريكية آن هولاندر: «أفضل من يرتدي الملابس هم الأكثر معرفةً بأنفسهم».

ومنذ ذلك اليوم، صرتُ أرى اختيارها للثوب تدريبًا صغيرًا على اختيارات أكبر: أن تعرف ذوقها، وحدودها، وقيمتها، وأن تفهم أن الاستقلال لا يعني أن تستغني عن النصيحة، بل أن تُحسن الإصغاء.

ولعل التربية لا تبلغ أجمل صورها حين نختار لأبنائنا، بل حين نمنحهم من البصيرة ما يعينهم على الاختيار؛ أن يعرفوا ما يلفت العين، وما يستحقها، وما يحبونه لحظةً، وما يليق بهم طويلًا.

لهذا قلت لها: اختاري ما تحبين، لكن لا تخفضي معاييركِ من أجله.

لم نشترِ الفستان في تلك الجولة، وما زالت لنا جولةٌ أخرى. لكنني خرجتُ من المتجر وأنا أشعر أنني عثرتُ على شيءٍ أثمن من فستان: رأيتُ وجود تنتقل بهدوء من ذوقٍ تشكّل على يدي، إلى ذوقٍ تصنعه هي.

وربما هذه هي اللحظة التي تنتظرها كل أم: أن ترى يدها التي اعتادت أن تقود تنسحب قليلًا، لتترك لابنتها مساحةً للاختيار.

فالثوب قد يلفت العين، لكن المرأة لا يصنعها ما ترتديه وحده؛ بل يصنعها ما تختاره لنفسها: ما تحفظه في روحها، وما تهذبه في قلبها، وما تبنيه في عقلها، وما تمنحه من عفويةٍ وابتسامة، وما تحمله من ثقافة.

في ذلك اليوم، رأيتُ أن أجمل ما تمنحه الأم لابنتها ليس أن تظل يدها تقودها، بل أن يأتي يومٌ تنظر فيه بعينيها، وتعرف طريقها.