قصة أشهر مدينة علاجية في التشيك

في عام 1665 م تفشى الطاعون في لندن، وأُغلقت جامعة كامبردج، عندها عاد نيوتن إلى مزرعته، حيث لاحظ أن التفاحة عندما سقطت اتجهت بشكل عمودي إلى الأرض، ولم تتجه إلى الأعلى أو إلى أحد الجانبين. هذا المنظر، الذي شاهده مئات الملايين من البشر، لم يلفت انتباههم أو يثر تساؤلاتهم، ولم يدفعهم إلى طرح السؤال نفسه: لماذا سقطت عموديًا؟ لكن إسحاق نيوتن، من بين بني البشر، طرح هذا السؤال ولم يتوقف إلا حين وضع الإجابة، وخرج بنظريته في الجذب العام.
لذا فإن وراء كل اختراع أو ابتكار أو نظرية جديدة عقلًا تساءل: لماذا؟ وفكر فيما رآه وأثار تساؤلاته، فتساءل وبحث، وخرج بنتيجة مهمة جدًا للبشرية جمعاء.
العالمة الليتوانية، المولودة في الإمبراطورية الروسية، بلوما زيغارنيك «Bluma Zeigarnik»، أثناء وجودها مع أستاذها وزملاء آخرين في أحد مطاعم فيينا، لاحظت أن النادل كان يحفظ طلباتهم عن ظهر قلب، وبعد أن غادرت، عادت بعد دقائق إلى الطاولة لأمر ما، سألت النادل عن طلباتهم، فأجاب بأنه لا يتذكرها، فبعد أن أحضر الطلبات ودُفعت الفاتورة، انتهى الأمر بالنسبة إليه، فتبخرت المعلومات، ونسي كل شيء. وانطلاقًا من هذه الملاحظة التي لفتت انتباه العالمة، أجرت دراسات وأبحاثًا خلصت فيها إلى أن العقل البشري يتذكر المهام غير المكتملة بصورة أفضل من المهام المكتملة؛ لأن المهام غير المكتملة قد تُبقي العقل في حالة من التوتر الذهني حتى اكتمالها.
من هنا ظهرت نظريتها التي استفيد منها في العديد من مجالات الحياة، فالأفكار والمشاعر السلبية والمشكلات التي لم تُحل في الماضي تحتاج إلى إغلاق ذهني، لتخفيف العبء على الذاكرة النشطة، وهذا أحد الجوانب التي يمكن تطبيق النظرية عليها، وقد امتدت تطبيقات النظرية إلى مجالات عديدة، منها الإنتاج والتسويق والتعليم وغيرها. كل ذلك كان نتيجة ملاحظة تنبهت لها سيدة وسألت النادل سؤالًا، وانطلقت من إجابته إلى آفاق بعيدة جدًا.
ومن هنا أيضًا يمكن الحديث عن قصة أخرى مشابهة، إذ قادت ملاحظة بسيطة من شخص واحد إلى حدث ذي أثر عالمي. القصة تتحدث عن إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، تشارلز الرابع، عام 1349 م، حيث كان في رحلة صيد، فسقط أحد كلاب الصيد، وهو يلاحق غزالًا، في مياه حارة، وقيل إن الملك شاهد بخار الماء الحار يتصاعد من منطقة في الغابة، فلفت ذلك انتباهه، وتوجه إلى الموقع، واستخدم ذلك الماء لجرح في جسمه، فشُفي، وفي عام 1370 م صدر قرارٌ دستوري، مُنحت المنطقة بموجبه حقوقًا كاملة، وسُميت آنذاك «كارلوفي فاري»، ويعني اسمها «حمامات كارل»، وتشكلت مدينة بهذا الاسم، وأصبحت المدينة مقصدًا لملايين السياح طوال العام، في دولة التشيك، بل أصبحت من أبرز الوجهات السياحية العلاجية في أوروبا والعالم، وأصبحت مياهها إحدى الوسائل المستخدمة لتحسين صحة زوار المدينة، وكانت البداية من بخار شاهده شخص، فتساءل عن مصدره، وتوجه إلى موقعه.
الأمثلة على هذه القصص كثيرة، وكلها تشير إلى اهتمام من شخص أو أشخاص بقضية ما، وسؤال يطرحه المرء على نفسه أو على الآخرين، بحثًا عن إجابة؛ فطرح الأسئلة هو بداية اكتشاف الكثير من الأمور في العالم، وقد قيل إن الجهل ليس في عدم المعرفة، بل في الامتناع عن السؤال.












