الحوادث المرورية.. بين عدالة التعويض ومخاطر التحايل

الحوادث المرورية من الوقائع التي قد يتعرض لها أي إنسان، وفي لحظات قليلة قد يجد قائد المركبة نفسه أمام موقف لم يكن في حسبانه، تتداخل فيه حركة المركبات، واختلاف المسارات، والسرعة، والانتباه، وظروف الطريق. وعند وقوع الحادث تبدأ مرحلة تحديد المسؤولية وحفظ حقوق جميع الأطراف، وفق الأنظمة المرورية والإجراءات المعتمدة لدى الجهات المختصة.
وإن إتاحة الفرصة للاعتراض وفق الإجراءات والمواعيد المحددة تهدف إلى ضمان دراسة ملابسات الحادث والوصول إلى الحقيقة، تحقيقًا للعدالة وحفظًا للحقوق. فقد يكون أحد أطراف الحادث، على سبيل المثال، في وضع الرجوع إلى الخلف، والقاعدة أن عليه اتخاذ أقصى درجات الحيطة والتأكد من خلو المسار قبل الرجوع، وهذا أمر لا خلاف عليه. لكن قد تقع في المقابل ظروف أخرى تستحق الدراسة، كأن تأتي مركبة أخرى من منعطف، أو تسير بسرعة لا تتناسب مع ظروف الطريق، أو توجد سيارة متوقفة بصورة مخالفة تعيق الحركة أو الرؤية لأحد الطرفين أو كليهما، أو يحدث انحراف مفاجئ في المسار، أو تتداخل حركة المركبتين بطريقة تجعل تحديد سبب الاصطدام بحاجة إلى مزيد من التحقق.
وهنا تبرز أهمية المعاينة الدقيقة؛ فالحادث المروري ليس مجرد لحظة اصطدام، وإنما له ما يسبقه وما ينتج عنه. فمواقع المركبات، واتجاهات حركتها، ونقطة الاصطدام، وآثار الأضرار، والصور الملتقطة في موقع الحادث، وتسجيلات كاميرات المراقبة، متى كانت متاحة، كلها قد تشكل قرائن تساعد على تكوين صورة أكثر وضوحًا عن كيفية وقوع الحادث.
وقد تكون هناك أضرار أو آثار في إحدى المركبات تعود إلى حادث سابق، وهنا تزداد أهمية التمييز بين الضرر القديم والضرر الناتج عن الحادث الجديد، حتى لا يتحمل أحد طرفي الحادث أضرارًا لم يكن سببًا فيها. فالتحقق من الأدلة يحفظ حق المتضرر، وينصف من قد تُنسب إليه المسؤولية، ويحمي شركات التأمين من المطالبات غير المستحقة، ويعزز الثقة في إجراءات التعامل مع الحوادث.
وقد لا تكمن المشكلة دائمًا في وقوع الحادث نفسه، وإنما في محاولة استغلاله لتحقيق منفعة غير مستحقة. فقد يتصور بعض ضعفاء النفوس أن الحادث فرصة للحصول على تعويض، فيحاول تحميل الطرف الآخر أضرارًا سابقة، أو المبالغة في وصف الضرر، أو تقديم صورة غير مكتملة عن الواقعة.
وإذا ثبت تعمد مثل هذه التصرفات، فإن الأمر يتجاوز مجرد الخلاف في تقدير المسؤولية، ليصبح سلوكًا يتعارض مع الأمانة والصدق، فضلًا عما قد يترتب عليه من مسؤولية وفق الأنظمة ذات العلاقة. والأخطر أن المال الذي يحصل عليه الإنسان بغير حق لا يتحول إلى مال حلال لمجرد أنه جاء في صورة تعويض.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
فالأمانة لا تكون في الأموال فقط، وإنما تكون أيضًا في قول الحقيقة ووصف الواقعة كما حدثت، وعدم إخفاء ما يؤثر في الحكم عليها.
إن المطالبة بالتحقق والتدقيق في بعض الحوادث لا تعني التشكيك في عمل الجهات المختصة، ولا تعني أن كل حادث يحتاج إلى إجراءات استثنائية، وإنما المقصود أن لكل حادث ظروفه وملابساته. فالحوادث الواضحة التي لا خلاف فيها قد تكون إجراءاتها يسيرة، أما الحالات التي تتعارض فيها أقوال الأطراف، أو تظهر فيها أضرار سابقة، أو لا تتطابق فيها آثار الاصطدام مع الروايات المقدمة، فقد تستدعي مزيدًا من التدقيق والاستفادة من القرائن المتاحة، وفق الإجراءات المعتمدة.
وتبقى مسؤولية حفظ الحقوق مشتركة بين جميع الأطراف؛ فقائد المركبة مسؤول عن القيادة الآمنة، وأطراف الحادث مسؤولون عن نقل الحقيقة كما وقعت، والجهات المختصة مسؤولة عن دراسة ما يقدم إليها من معلومات وقرائن وفق الأنظمة والإجراءات، وشركات التأمين مسؤولة عن التحقق من المطالبات.
وعندما تتكامل هذه المسؤوليات، تقل فرص الخطأ والتحايل، وتصبح الحقوق أكثر حفظًا. ولعل أهم ما ينبغي ترسيخه في ثقافتنا المرورية أن التعويض ليس غاية في ذاته، وإنما هو حق مقابل ضرر ثابت ومستحق. أما أن يتحول الحادث إلى وسيلة للكسب بغير حق، فذلك يضر بالفرد والمجتمع، ويضعف الثقة، ويحمّل الآخرين ما لم يرتكبوه.
ونحن نعيش اليوم في زمن تتوافر فيه وسائل التوثيق بصورة واسعة، ويمكن للاستفادة منها، مع الالتزام بالأنظمة والإجراءات المعتمدة، أن تسهم في كشف الحقيقة وحماية الحقوق. كما أن من حق أي طرف يرى أن هناك ملابسات أو معلومات تستحق إعادة النظر أن يتقدم باعتراضه وفق القنوات والإجراءات المعتمدة، لتُدرس الواقعة وما يقدم بشأنها من قرائن وأدلة من قبل الجهات المختصة، بما يعزز العدالة ويحفظ حقوق جميع الأطراف.
وفي النهاية، قد يقع الخطأ من أي إنسان، وقد يقع الحادث في لحظة عابرة، لكن ما ينبغي ألا يغيب عنا هو أن الصدق بعد الحادث لا يقل أهمية عن الحذر قبله. فكما نطالب كل قائد مركبة بالانتباه والحيطة، علينا أن نطالب أنفسنا أيضًا بالأمانة عند وقوع الحادث، فلا نحمّل غيرنا ما لم يرتكبه، ولا نطالب بتعويض عن ضرر لا يستحق التعويض، ولا نسعى إلى تحويل حادث عابر إلى وسيلة للحصول على مال بغير حق.
الحقيقة أمانة، والحقوق أمانة، والتعويض حق لا يستقيم إلا إذا قام على ضرر ثابت ومسؤولية واضحة. وبالوعي والأمانة والدقة في التوثيق والالتزام بالأنظمة، نستطيع أن نجعل التعامل مع الحوادث المرورية أكثر عدلًا وإنصافًا، وأن نحفظ حق المتضرر، وننصف من لم يكن مسؤولًا، ونغلق الطريق أمام كل محاولة للتحايل أو استغلال الحوادث لتحقيق مكاسب غير مشروعة.












