آخر تحديث: 11 / 10 / 2026م - 12:53 ص

حين يضيق البعض باتّساع الخير

ناجي وهب الفرج *


قد تبدأ فكرة نافعة، وتجتمع حولها إرادات صادقة، ويتهيأ لها من يبذل وقته أو ماله أو خبرته، ثم تظهر في طريقها عقبات لا يصنعها نقص الإمكانات بقدر ما تصنعها النفوس. فهناك من يصعب عليه تقبّل نجاح لم يكن صاحب بدايته، أو إنجاز لم يحتل فيه الموقع الذي يريده؛ فيتحول من شريك محتمل في الخير إلى سبب في تعثره.

وتظهر هذه المشكلة في ميادين كثيرة: في العمل، والتعليم، والأسرة، والمبادرات الاجتماعية، وكل مساحة يتعاون فيها الناس على نفع مشترك. فقد تُرفض فكرة لأنها جاءت من شخص آخر، أو تتأخر خطوة لأن أحدهم لم يُستشر بالصورة التي توقعها، أو تُثار اعتراضات متلاحقة حتى يعود القرار إلى دائرة نفوذ معينة. وحين يحدث ذلك، تتراجع الغاية النافعة أمام التنافس على الدور والمكانة.

وهنا يبرز السؤال: هل نفرح بنجاح الخير، أم نفرح فقط حين يُنسب إلينا؟

لقد وضع القرآن أصلًا جامعًا للعلاقات التي تبني وتنفع، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [1] . والتعاون يقتضي أن تتكامل الأدوار، وأن يجد كل جهد صادق مكانه، وأن يستطيع الإنسان دعم فكرة لم يقترحها، ومساندة نجاح لم يبدأ على يديه. فالحياة أوسع من أن تمر منافعها كلها عبر شخص واحد.

والمعروف يشمل كل ما ينفع الناس ويحفظ حقوقهم ويخفف عنهم: كلمةً طيبة، وعلمًا يُبذل، وإصلاحًا بين متخاصمين، ومشورةً صادقة، ومساعدةً عند الحاجة. وقد قال رسول الله ﷺ: «كلُّ معروفٍ صدقةٌ» [2] . وبقدر اتساع أبوابه تتسع مسؤوليتنا عن تيسيرها، وعن تجنب ما يغلقها أو ينفّر أصحابها من مواصلة العطاء.

ومن هنا تأتي خطورة قطع سبيل المعروف. فقد يُحبط شخص صاحبَ مبادرة، فيتجاوز الضرر تلك العلاقة إلى أناس كانوا سينتفعون بمبادرته. وقد يُقابل جهد بالجحود، فيضعف استعداد صاحبه لتكراره. وقد تُستنزف طاقة إنسان في اعتراضات مفتعلة، فينسحب ومعه خبرة كان يمكن أن تخدم كثيرين.

وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق التحذير من قطع سبل المعروف، وفسّرت الرواية أثر الجحود بقولها: «الرجل يصنع إليه المعروف فيكفره فيمتنع صاحبه من أن يصنع ذلك إلى غيره» [3] . والمقصود هنا إنكار الإحسان؛ فالجحود قد يُطفئ في صاحبه رغبة الإحسان إلى آخرين. وفي ضوء هذا المعنى يمكن تأمل خطورة السلوك الذي يثبط الناس عن تقديم النفع، ويجعل تجربتهم في فعل الخير مصدرًا للمرارة والإحجام.

وأحيانًا يبدأ التعطيل من شعور صغير يتسع مع الوقت: لماذا لم أكن صاحب الفكرة؟ لماذا تقدّم غيري؟ لماذا لم يُذكر اسمي؟ وهي أسئلة قد تتحول إلى مراجعة نافعة للدور، وقد تتحول إلى خصومة مع الإنجاز نفسه. والفارق يظهر في السلوك؛ فمن يريد المشاركة يقدم ما يستطيع، ومن يريد الاستحواذ قد يجعل حضوره شرطًا لقبول العمل، ولو كان الناس ينتظرون ثمرته.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نحكم على النيات بمجرد الاختلاف. فقد يكون الاعتراض صائبًا، وقد يكون صاحبه قد كشف خللًا غاب عن الآخرين، أو طالب بحق أُهمل. لذلك تُسمع الملاحظات، وتُراجع الأدلة، ويُحكم على الوقائع. فالخير يحتاج إلى التصحيح كما يحتاج إلى التشجيع، ولا يستقيم أن تُستخدم الدعوة إليه لإسكات نقد عادل.

لكن النقد النافع يُعرف بوضوحه وقابليته للمعالجة. فهو يحدد الخلل، ويبين أثره، ويقبل تصحيحه. أما الاعتراض الذي تتبدل أسبابه كلما عولجت، أو يزول بمجرد منح صاحبه الصدارة دون تغيير جوهر العمل، فيستدعي التوقف عنده ومراجعة أثره. فمصالح الناس تستحق أن تُحمى من التحول إلى أدوات في نزاع شخصي.

وقد أمر الله بأداء الأمانات والعدل، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [4] . ومن مقتضيات هذا الأصل أن يستخدم الإنسان موقعه وصلاحياته فيما ينفع، وأن يحفظ حقوق من يعملون معه، وأن يزن الأفكار بمعايير منصفة. وكلما امتلك المرء تأثيرًا أكبر، اتسعت مسؤوليته عن تيسير ما يصح تيسيره، ومنع ما يقوم الدليل على ضرره.

ويحمي الوفاءُ العلاقاتِ من كثير من هذا التنافس المؤذي. قال النبي ﷺ: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» [5] . وفي رسالة الحقوق المروية عن الإمام زين العابدين جاء في حق صاحب المعروف: «أن تشكره وتذكر معروفه وتنشر له المقالة الحسنة» [6] . فشكر الجهود، وحفظ أسماء أصحابها، والاعتراف بفضلهم، يطمئن الناس إلى أن عطاءهم لن يُمحى، وأن نجاحهم سيجد من يقدّره.

ولا ينقص قدر الإنسان أن يقول لغيره: أحسنت. بل إن القدرة على تقدير نجاح الآخرين تكشف سعة النفس وثقتها. ومن يفرح بكل نفع يصل إلى الناس يستطيع أن يجد له دورًا فيه؛ فقد يكون دوره فكرةً تكمل، أو نصيحةً تصحح، أو كلمةً تشجع، أو عقبةً يزيلها من الطريق.

ويعين الإخلاص على التحرر من التعلق بالظهور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [7] . فمن صدق في إرادة الخير استطاع أن يفرح بتحققه، ولو غاب اسمه عن المشهد. ولا يتعارض ذلك مع حقه في الإنصاف والتقدير؛ فالإخلاص مسؤولية المعطي، والوفاء مسؤولية من يتلقى عطائه.

كما أن أبواب الفضل تبقى مفتوحة لمن ييسّر الخير ولو لم يتولَّ تنفيذه. قال رسول الله ﷺ: «من دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجرِ فاعلِه» [8] . فقد تكون الدلالة على فرصة نافعة، أو الجمع بين صاحب حاجة ومن يستطيع مساعدته، أو تشجيع فكرة صالحة، مشاركةً عظيمة الأثر لا تحتاج إلى صدارة.

وفي المقابل، يحتاج أصحاب المعروف إلى الثبات دون استنزاف أنفسهم. وقد جاء عن الإمام علي : «لا يزهدنّك في المعروف من لا يشكره لك» [9] . ويمكن للإنسان أن يتعلم من تجربة مؤلمة، ويضع حدودًا تحفظ جهده وحقوقه، ويختار أسلوبًا أجدى للعطاء، مع بقاء قلبه مفتوحًا للنفع. فلا يصبح جحود فرد حكمًا على الجميع، ولا تتحول عقبة عابرة إلى نهاية طريق طويل من الخير.

إن اتّساع المعروف يحتاج إلى نفوس تتسع لفضل الآخرين، وإلى علاقات تحفظ الحقوق، وإلى إرادة تجعل النفع المشترك مقدّمًا على التنافس الشخصي. وقيمة المرء تظهر في أثره: فكرةٍ أعان على نجاحها، وحقٍّ حفظه، وعقبةٍ أزالها، وإنسانٍ وجد بسببه طريقًا أيسر.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا: إذا تحقق الخير، ولم يكن لنا فيه حضور ظاهر، فهل نفرح؟

في الإجابة تتبين سعة نفوسنا، وصدق رغبتنا في أن يمضي المعروف إلى الناس.

[1]  القرآن الكريم، المائدة: 2.
[2]  صحيح البخاري، حديث 6021.
[3]  الكليني، الكافي، ج 4، ص 33، باب «من كفر المعروف»، حديث 1؛ في سند الرواية إرسال.
[4]  القرآن الكريم، النساء: 58.
[5]  سنن أبي داود، حديث 4811؛ حديث صحيح.
[6]  ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، ص 265، رسالة الحقوق، «حق ذي المعروف».
[7]  القرآن الكريم، الإنسان: 9.
[8]  صحيح مسلم، حديث 1893.
[9]  نهج البلاغة، الحكمة 204 بحسب ترقيم المصدر.
نائب رئيس مجلس إدارة جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية