الإسلام والمدينة.. مقاربة أولية

هناك علاقة وثيقة بين المدينة والإسلام، إذ ارتبط الإسلام منذ انطلاقته الأولى بالمدن وحواضر الجزيرة العربية، وتأكد هذا الارتباط مع هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب، التي سارع رسول الله إلى تسميتها بالمدينة.
فعلاقة الإسلام بالمدينة والحواضر علاقة حميمة، إذ إن مجموع قيمه ومبادئه تدفع نحو الإقامة والاستقرار النفسي والاجتماعي، وقد قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، ومن المؤكد أن الإقامة والاستقرار اللذين يوفرهما الدين الإسلامي، من الشروط الضرورية لتأسيس المدينة وفق قواعد ومتطلبات تزيد من فعالية الناس وحيويتهم الحضارية.
والمدينة أو الحاضرة لم يتركها الإسلام بلا قانون وترتيب إداري يسهم في تنظيم شؤون المدينة من جميع النواحي، وإنما عمل على تنظيم شؤون المدينة ودفع باتجاه الحشد واستكمال الجماعة، وحارب كل النوازع التي تحول دون استقرار المدينة وتطورها النفسي والاجتماعي والحضاري.
والإسلام هنا لم يلغ نظام الطاعة الطبيعي للأسرة والعشيرة والقبيلة، وإنما جعل طاعتها في سياق طاعة الشريعة والالتزام بقيمها ومبادئها. ولقد جاء في المأثور «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
فالإسلام أسس مفهوم الطاعة على أسس جديدة، ومعايير متعالية على معايير التراب. فأرسى الإسلام مفهوم الطاعة على مرجعية الشريعة وقيمها، بما يعزز العدل والاستقرار وتنظيم العلاقات داخل المجتمع، ويسهم في بناء المجتمع المدني في المجالين العربي والإسلامي.
والطاعة وفق هذا المنظور، هي التي تصهر التمايزات أو تجعلها في سياق الوحدة والبناء والانفتاح والتسامح، بدل أن تكون وسيلة وسببًا للانكفاء والانعزال والتفتت والانخراط في مشروعات تجزئية، تزيد من ضعف الأمة على المستويين السياسي والحضاري.
وفي التاريخ العربي والإسلامي، نرى نموذج الحالة المدنية في فعاليات المدينة الإسلامية، والدينامية الاجتماعية التي عبَّرت عن نفسها بأشكال من التوازن بين دور المؤسسات الإدارية والقضائية والتنظيمية في المدينة الإسلامية، وبين المبادرات والمؤسسات الاجتماعية التي نشأت لتلبية احتياجات السكان.
فالنشاط المديني «على حد تعبير وجيه كوثراني» الذي تركز بشكل أساسي في الإنتاج الحرفي والتجارة انتظم في «الأصناف» وهذه الأخيرة هي تنظيمات اجتماعية تراتبية متماسكة، كل تنظيم فيها يعبِّر عن أهل حرفة من الحرف. والملاحظ أن «الصنف» يعتمد على تراتبية أهل الصوفية ابتداء من المبتدئ «المريد» إلى الصانع، إلى المعلم، إلى شيخ الحرفة، إلى شيخ السوق، وبين كل مرتبة تقوم أعراف وطقوس وأخلاقيات وتقنيات تعبر بدورها عن التفاوت الحاصل بين كل مرتبة ومرتبة في المعرفة والقيمة، أي وفقًا لدرجات تحصيل أو معرفة «سر المهنة» الذي أضفى عليه الطابع القدسي.
فالروح والتراتبية المعنوية اللتان بثهما النشاط الديني تشكلان نقطة الانطلاق والتطوير للمسألة المدنية في المجالين العربي والإسلامي، إذ إن تراث العرب والمسلمين التاريخي في هذا الإطار، ثري ومتوفر وذو مضمون عميق على مستوى التجربة التاريخية، والخبرة التي أوجدها في النسيج المجتمعي.
وذلك لأن التحولات القسرية أو الفجائية يصاحبها تمزق اجتماعي رهيب لا يجعلها منتظمة في سياق متكامل، وإنما يحولها وكأنها جزيرة معزولة عن المحيط العام.
والذي يؤكد هذا الاتجاه «الانطلاق من التجربة المدينية العربية والإسلامية لتنمية مؤسسات المجتمع المدني في الفضاء العربي والإسلامي»، هو أن القيم المدنية والدينية في الإطار الإسلامي منصهرة فيما بينها، وهناك تطابق محمود بين القانون الديني والقانون المدني في التجربة الإسلامية التاريخية.
وانطلاقًا مما ذكره «دونالد سميث» حول الفرق بين النظم العضوية ونظم الكنيسة الدينية، يمكن اعتبار الإسلام دينًا عضويًا، ذلك لأنه يتضمن قيمًا ومبادئ تعلي من الشأن المدني والإنساني، وهذه القيم هي التي تحدث قفزة نوعية في علاقة الإنسان بالمكان والزمان، وعلاقته ببني جنسه، لذلك فإن «المديني في جميع أشكاله القديمة والحديثة يظهر كواقع جديد أو كنتيجة لتمفصل النظام الاجتماعي والنظام المكاني، بين العلاقات الاجتماعية والعلاقات المكانية رباطٌ جدلي لا يمكن اختزاله إلى أحد طرفيه، وإذا صح أن نسمي الواجبات الاجتماعية نظامًا فإن حيز المديني، أي حيز الظروف الجديدة، يشكل بذاته نوعًا من التجاوز، أي عامل تغيير وتحقق.
ومن هنا فإن المدينة لا تعكس بشكل سلبي نظامًا اجتماعيًا معينًا، ولكنها تؤدي أيضًا دورًا نشطًا في تحويل هذا النظام ذاته وفي استخدامه، فهي تنظم جملة من الاحتمالات والمحظورات التي في ظلها يتطور أفراد وجماعات وأقوام يرسمون استراتيجيات مختلفة لتحقيق أهداف خاصة أو جماعية». راجع: مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 29، ص 50.
ويبدو لي أن القفزة النوعية التي تحدثها القيم المدنية في النسيج المجتمعي، هي التي تبرز كطاقة خلاقة متجهة إلى بناء واقع اجتماعي يتمثل هذه القيم على مستوى علائقه المختلفة، ويتجسد كنموذج يطمح إلى التوسع والامتداد، بحيث يكون هو النسق الاجتماعي السائد.
على هدى هذا نستطيع القول: إن المسألة المدنية، بوصفها قيمًا متجسدة في حركة الإنسان الخاصة والعامة، وكشبكة للعلاقات الإنسانية، لا يمكن فهمها خارج السياق التاريخي لواقعنا ومجتمعنا. لهذا نحن بحاجة دومًا إلى البحث عن الإطار والقاعدة اللتين تحتضنان هذه القيم وتطورها في المحيط العام.
والمسألة المدنية في المجتمعات الإنسانية تأخذ أشكالًا وصورًا متعددة، فهي نمط من العلاقات الاجتماعية والثقافية والحضارية، قائم على العمل المؤسسي، متجاوزًا بذلك كل الأنماط والسياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي لا تخرج عن واقع الأنا الضيق، وتسعى نحو تحجيم نشاطها في إطار من الإمكانات الشخصية وحدها. فكل نمط مؤسسي، يمارس فعلًا اجتماعيًا عامًا أو ثقافيًا أو حضاريًا، فهو جزء من المسألة المدنية ومفهوم المجتمع المدني في المجال العربي والإسلامي.
ومنها قدرة القوى الاجتماعية المتعددة في المنطلقات والغايات على إدارة تنافسها وعملها في محيط اجتماعي محدد بوسائل سلمية حضارية. وتسهم المؤسسات والمكونات الاجتماعية المتعددة في خدمة الشأن العام، من خلال التعاون والتكامل والعمل المؤسسي المنظم، وتتنافس فيما بينها بوسائل تثري الواقع المجتمعي وتنضجه وتزيد من خبرته في إدارة تنافس أبنائه أو صراعهم. وأساس هذه القدرة على التنافس السلمي في إدارة الشأن العام، هو تفعيل القواسم المشتركة بين هذه القوى، والتسالم والتراضي على جملة من المنطلقات والغايات التي تكون موضع تطلع الجميع حتى وإن اختلفت أساليب الوصول وتعددت وسائل التعبير عن هذه المنطلقات والغايات. فالمجتمع المدني هو الإطار المؤسسي لممارسة المسؤولية الدينية والوطنية، وهو أحد جسور الأمة لإنجاز تطلعاتها وتنفيذ طموحاتها. وواقعنا العربي والإسلامي في هذه اللحظة التاريخية بحاجة ماسة إلى قيم المجتمع ومبادئ الممارسة المدنية، التي تبحث عن المشترك وتبرزه، وتعمق مفهوم التواصل والحوار كنهج ثابت ودائم في التعاطي مع الآخرين، وتستوعب خبرات الآخرين وأفكارهم على أساس نسبية الحقيقة، وتنشر قيمها وأفكارها بالحوار والحرية والمجادلة بالتي هي أحسن.












