آخر تحديث: 9 / 10 / 2026م - 12:37 ص

رحلة إعداد الطبيب السعودي.. القيمة والاستثمار

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

حين يدخل الطبيب السعودي العيادة، قد لا يرى المريض أمامه إلا شخصًا يحمل سماعة، يكتب وصفة، وربما يتأخر دقائق فيغضب منه. لكن خلف هذا المشهد رحلة طويلة بدأت غالبًا بطالب متفوق، ثم مسار أكاديمي ومهني قد يمتد سنوات طويلة قبل أن يصبح طبيبًا متخصصًا أو استشاريًا في تخصص دقيق.

فكم يستغرق إعداد الطبيب السعودي؟ والأهم: بعد كل هذه السنوات، كيف نحافظ على قيمة هذا الاستثمار؟

تبدأ الرحلة بنحو ست سنوات في كلية الطب، تعقبها سنة امتياز من التدريب السريري؛ أي سبع سنوات تقريبًا قبل اكتمال التعليم الطبي الأساسي.

وفي الوقت الذي يكون فيه زميل اختار تخصصًا جامعيًا من أربع سنوات قد تخرج وبدأ العمل واكتسب خبرة، يكون طالب الطب لا يزال يتنقل بين الأقسام، ويتعلم تحويل المعرفة إلى قرارات تتعلق بإنسان حقيقي.

ثم يأتي الترخيص المهني، وبعده يبدأ لمن يريد التخصص فصل آخر: البورد السعودي.

هنا لا نتحدث عن طالب يجلس في قاعة محاضرات، بل عن طبيب يتدرب ويعمل في الوقت نفسه؛ بين العيادات والأجنحة والطوارئ والمناوبات والامتحانات، مع مسؤولية تتزايد عامًا بعد عام، وقد تتبع ذلك زمالة أو تخصص دقيق.

وبالحساب البسيط، قد يدخل الشاب كلية الطب في الثامنة عشرة، ويقترب من الثلاثين أو يتجاوزها قبل اكتمال تخصصه، وربما يمتد المسار أكثر في بعض التخصصات الدقيقة.

والآن إلى السؤال الأهم: كم يتطلب إعداد هذا الطبيب من موارد؟

لا توجد فاتورة موحدة منشورة تحدد تكلفة إعداد الطبيب منذ دخوله كلية الطب حتى حصوله على شهادة الاختصاص؛ لذلك من الأدق تجنب الأرقام غير الموثقة، والتركيز على مكونات الاستثمار.

هناك التعليم الجامعي، وأعضاء هيئة التدريس، والمختبرات، ومراكز المحاكاة، والمستشفيات التعليمية، والتدريب السريري والتجهيزات، ثم سنوات التدريب التخصصي بما تتطلبه من مدربين وبرامج واعتماد واختبارات ومنشآت صحية.

والطبيب خلال التخصص يحصل على راتب وبدلات، لكنه في الوقت نفسه يتعلم ويقدم خدمة صحية فعلية؛ ولذلك يصعب اعتبار كامل دخله تكلفة تعليم.

وعند النظر إلى الاستثمار الاقتصادي الكلي، يمكن القول إن إعداد طبيب متخصص يتطلب موارد كبيرة تتراكم عبر سنوات طويلة، ما يجعل الحفاظ على الكفاءة الوطنية جزءًا مهمًا من إدارة رأس المال البشري.

ومع التحول المتواصل في القطاع الصحي واتساع دور القطاع الخاص، تبرز أهمية إيجاد بيئة مهنية تنافسية تحافظ على قيمة الكفاءات الصحية الوطنية، دون أن يعني ذلك فرض نموذج موحد للرواتب أو التشغيل.

ومن الخيارات الممكنة أن تراعي سياسات التوطين التصنيف المهني للطبيب ومستوى التأهيل والمسؤولية، وأن ترتبط بعض الحوافز بجودة الوظيفة واستقرارها، لا بعدد الموظفين فقط.

فالتوطين الناجح لا يتعلق بمجرد توفير وظيفة للسعودي، بل بإيجاد فرصة مهنية تتناسب مع مؤهله وخبرته ومسؤوليته.

وهذه القضية تتصل أيضًا بالجيل القادم. فالطالب المتفوق اليوم يقارن بين مسارات متعددة في التقنية والمالية والهندسة والأعمال، وينظر إلى سنوات الدراسة والعائد المهني وجودة الحياة والفرص المتاحة قبل اتخاذ قراره.

لذلك فإن المحافظة على جاذبية مهنة الطب ليست امتيازًا لفئة، بل جزء من الاستثمار في الكفاءات التي يحتاج إليها المجتمع مستقبلًا.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي