القصيدة وصراع الهوية
تطلُّ القصيدةُ برأسِها كحارسِ القلعة في كلِّ منعطفٍ تشعرُ خلاله أن ثمَّة خدوشٌ قد تعكِّرُ مزاجَ اللغة، خاصرتُها الأضعفُ والأقوى في الوقت ذاته. يحدثُ ذلك في النقَلات النوعية والتاريخية التي تتركُ وراءَها تصدُّعاتٍ في قِشرة الفكر مما تُلقي بظلالها كلَّ مرة على سُحنة القصيدة، مُستفزةً مريديها. حيث لم تنعمْ باستراحةٍ تُذكر عاكسةً روح التمرُّد اطِّرادًا وطبيعةُ المطبَّاتِ الفكرية والثقافية والسياسية التي تعبرُها في خطِّ سيرها التاريخي.
لكن وإن تفاوتتْ رَدَّات الفعل بمقدارِ الشروخ التي ستُخلِّفُها تلك الاهتزازات في بُنْية القصيدة ذاتها. إلا أنَّنا في كل مرَّة لا نلامسُ الأسبابَ الحقيقيةَ خلف نوبات المدافعة مكْتفين بالتلطِّي وراء يقينياتٍ مسبقة، وقراءاتٍ انطباعية لا تمتُّ للحفر المعرفي بصلة، لنبقى في دوَّامة التكهُّنات دون الخُلوص إلى جهة تُفضي بنا لتصويب وجهة النظر السليمة كيلا نبتعد كثيرًا وهذا ما يحدثُ. فمثلا في تسليطه الضوءَ على حركة الحداثة في مقالٍ مُسهبٍ سنضيء على ما يخدمُ غرضنا منه، بعنوان «تيار الحداثة في العصر العباسي: أبو نواس أنموذجًا» يذهب الدكتور/ نعيمة عبد الجواد إلى أن الحداثةَ التي تم تكريسُها في الذاكرة على أنها صناعةٌ غربيةٌ بامتياز والتي ازدهرتْ في الفترة 1900-1930 م «لن نقفَ طويلًا أمام التاريخ الفعلي للحداثة»، كحركةِ تمرُّدٍ وردَّة فعلٍ على الشروخ الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع حينها لم تكن النسخة البكر، فثمَّة حركةٌ سبقتها تبلورتْ مدفوعة بنفس الأسباب البنيوية، تشكلتْ خلال الدولة العباسية 785-847 م. من روَّادها بشار ابن برد، وأبو نواس، اللذان اتخذا من التجديد مذهبًا صريحا. كان هناك الكثيرَ من الأسئلة المعلقة، أهمها:
لماذا عبرتْ حركةُ الحداثة بنسختها الأولى دون معارك تذكر باستثناء مناوشات، وإصابات صديقة بين أفراد الأسرة الشعرية نفسها، بينما استعرتْ المعاركُ الأدبية مسْتدعيةً كافَّة الوسائل والأساليب في حربِ بسوسٍ أخرى لم يهدأ غبارُها حتى اللحظة، عندما فُتِحتْ حصونُ القصيدةِ العربية أمام رياح التغيير الحداثي، وأحجارِ الفوضى لتحريك مياهها الراكدة، طالما أن المناخَ الذي عبرتْه كِلا الحركتين متطابقًا معنًى ومبنًى، فهل كانت الفوضى وراء رَدات الفعل تلك؟
لنفترضَ أنَّ كلمة السر هي الفوضى التي أعادتْ تشكيلَ معمارِ القصيدة وتهوية مساحاتِها بما تُلائم الإحداثيات الجديدة. فهل كانتْ شكلًا طارئًا على بيئة القصيدة العربية؟
ليس ذلك فقط، بل كانتْ إحدى المحطات المهمَّة التي قفزتْ بالقصيدة إلى فضاءاتٍ جمالية حملتْ معها خصائصَ النص الحداثي، عبر شعراء مهمين من أبرز شعراء العصر العباسي تجاوزوا بنيةَ القصيدة التقليدية بخروجهم على استراتيجيات الشكل والمضمون كلٌّ بفوضاه الخاصة.
ففوضى أبي نواس كانت من خلال تفكيكه لبُنى المؤسسات الدينية والسياسية والاجتماعية عبر خطابٍ فكري حادٍّ أعاد رسم الحدود.
أما فوضى أبي تمام، فمن تقنية انْفتاح المعنى على مرْوحةٍ من الدلالات، واحْتمالات التأويل عبر خلق قطيعةٍ مع البلاغة القديمة، والمشي في أنفاق الغموض لاستكشاف أراضيها البكر.
أما المتنبي، فقد كانت عبر إعادة تشكيلِه لتراتبيةٍ اجتماعيةٍ قالبًا الهرمَ رأسًا على عقبٍ بتهميشه للممدوح ومركزته للذات الشاعرة. صائغًا بذلك معادلةً اجتماعيةً جديدةً ظلت من أطول المعادلات نفَسًا وأبعدها شوطا، لأسباب يطول شرحُها.
في الواقع ثمَّ متغيراتٌ حضاريةٌ غيَّرتْ قواعدَ اللعبة فلم تعدْ معها دماءُ القصيدة نقيَّةً وبريئةً من تداخل الأنساب، بمنأى عن التجاذُبات كنسخها الأولى.
لكن لماذا القصيدةُ بالذات؟
لم يكن السببُ في طينتها القابلةِ للتكييف والتشكُّلِ خلافًا لباقي الوسائل التعبيرية الأخرى حسب كثير من النقاد مما تستحيلُ رحمًا خصبةً لتفريخ سُلالاتٍ فكريَّة جديدة. لأن سيرتَها تاريخيًا تتعارضُ وهذه الحقيقة، بل إضافةٍ لامتدادها في فضاءاتِ باقي الوسائل التعبيرية والفنية. لأن وظيفةَ اللغة ومشتقَّاتِها التي تشكلُ المنسوبَ الأكبرَ من ماءِ القصيدة ليستْ جِسرًا لعبور المعنى وحسب، إنما خريطة لتشكيل الوعي الإنساني، لهذا أصبحت القصيدةُ وجهةً للمعتركات الفكرية، ومنصَّةً لانطلاق المشاريع الكبرى، والحمولات المختلفة، وساحةً لتصفية الحسابات.
غير أن ثمَّة علاماتٌ فارقةٌ عمَّقتْ معركةَ الاستقطاباتِ تجاهها ونحَتْ بها لمُفترق القول. أهمُّها وأخطرها انشطارُ منابع أنهار اللغة التي تروي حدائقَها.
من سُحبٍ لوَّنتْ فضائَها بغيوم الميتافيزيقيا فأينعتْ صورَها المُجرَّدة، والمنسوجةُ قماشتُها من خيوط البرق، محلقةً في فضاء المجازات، والتي يسميها جوته شاعر ألمانيا الكبير بالروح، لمقدرتها على استحضار كل الأشياء والربط بينها بُعدا وتَباينا «إلباسُ المعنوي ثوبَ المحسوس».
ومن مخاضاتِ فكرٍ غربيٍّ بنظرياته الوضعية، فكرٍ يجمعُ بين روحٍ إغريقية مشبَّعةٍ بالأساطير وفكرٍ روماني قديم، بلغةٍ ذات طابعٍ سردي تغلبُ عليها لغةُ المنطقِ التقريري أكثر من المجاز التصويري، وصورُها ذاتُ التحليلٍ البنائي.
مما استعصى على معادلاتِ التهجين التي مارستْها مختبراتُ النقد الحديثة حتى مع تداخل الخرائط الفكرية والثقافية طيلةَ تاريخٍ مشحون بعلامات الاستفهام والتحفظ تمييعَ تلك العلامات الفارقة وهنا مربطُ الشعر.
وللتدليل على أن المعركةَ معركةُ لغة في الدرجة الأولى، يجدر بنا الإشارة إلى أولى المعارك التي دارتْ رحاها في فناء القصيدة الأمامي والتي رمى حجرَها الدكتور طه حسين عبر كتابه «في الشعر الجاهلي» عام 1926 م، حيث شكَّكَ حينها في نسب الشعر الجاهلي، مما استدعى الأمرُ لنشوب معركةٍ فكرية كبرى، عندما قرأ خصومُه أن المستهدفَ فيما أقدم عليه هي اللغةُ في الدرجة الأولى، فبرميه حجرًا كبيرًا في مصبِّها كما فعل لا يبقى ثمَّةَ وجهٌ لأي مُناضرةٍ ترجح كفَّةَ أيِّ مشروعيَّة للغة القرآن حسب رأيهم، والتي جاءتْ في سياق الإعجاز اللغوي لتلك المرحلة الزمنية.












