كنّا مزاجيّين في الحب

نحنُ مزاجيّان في الحبّ،
لا نلتقي في الشوق
إلّا بعد أن يتعب أحدُنا من الانتظار.
حين أشتاقُ إليكِ
تلبسين كبرياءكِ،
وتجلسين خلف صمتكِ
كأنني رجلٌ مرَّ بقلبكِ صدفة،
وحين أقرّر أن أكون مثلكِ،
باردًا،
قليلَ الاكتراث،
تأتينني بكلّ ذلك الحنين
الذي أنكرتِه بالأمس.
غريبان نحن…
نتقنُ الغياب
ولا نحتمله،
نتقنُ الخصام
ولا نعرف كيف ننام بعده،
نقول كلامًا كثيرًا عن الرحيل
ولا يملك أحدُنا
شجاعةَ أن يخطو الخطوة الأولى.
أقول لكِ:
لا يهمّني.
ثم أقضي ليلتي
أفتّش عنكِ في كلّ شيء؛
في أغنيةٍ مرّت مصادفة،
في فنجانٍ برد قبل أن أشربه،
في هاتفٍ أعرف أنه لن يضيء
ومع ذلك
أراقبه كنافذةٍ
قد تطلّين منها.
وتقولين:
انتهى كلّ شيء.
ثم تتركين الباب مواربًا،
كأنكِ تعرفين
أنني سأعود،
وكأنني أعرف
أنكِ لم تغلقيه
إلّا لكي أفتحه.
نحنُ مزاجيّان في الحبّ…
نقترب حين ينبغي أن نهرب،
ونهرب حين يصبح الاقتراب ملاذنا الأخير،
نعاتب بعضنا على الغياب
ثم نتأخر في الاعتذار،
نشتاق
فنختار الصمت،
ونخاف الفقد
فنهدّد بعضنا بالرحيل.
أيُّ جنونٍ هذا
الذي يجعل قلبين
يعرفان طريقهما إلى بعضهما
ثم يصرّان كلّ مرة
على سلوك الطريق الأشدّ وجعًا؟
ربما لأننا
نخاف أن نعترف
أن الآخر صار أكثر من حبيب،
صار نقطة ضعفٍ
نخفيها عن العالم،
ثم نكشفها لبعضنا
حين نغضب.
أنتِ تعرفين جيدًا
أنني حين أقول: اذهبي،
أكون أكثر الناس خوفًا
من أن تفعلي.
وأنا أعرف
أنكِ حين تقولين: لا تعد،
تتركين قلبكِ عند الباب
ينتظر وقع خطاي.
لهذا
لا أصدّق غضبكِ كلّه،
ولا تصدّقين برودي كلّه.
لقد حفظنا أكاذيبنا الصغيرة:
أنا بخير.
لا أشتاق.
لا يهمّني.
لن أعود.
ثم نعود…
كأن الخصام
لم يكن سوى طريقٍ آخر
لنقول لبعضنا
ما عجزنا عن قوله ونحن هادئان.
نحن لا نجيد الحبّ البسيط،
ذلك الذي يمشي مستقيمًا
من قلبٍ إلى قلب.
نحن نحبّ بطريقةٍ تشبهنا؛
قليلٌ من الجنون،
كثيرٌ من الكبرياء،
صمتٌ طويل،
رسائل تُكتب ولا تُرسل،
وأبوابٌ نغلقها بأيدينا،
ثم نقف خلفها،
ننتظر مَن يطرق باب الحنين أولًا.
ومع ذلك…
في كلّ مرةٍ
أظنّ أنني تعبت منكِ،
وأكتشف أنني تعبت
من المسافة التي تطول بيننا.
وفي كلّ مرةٍ
تظنين أنكِ قادرة على نسياني،
تكتشفين أن النسيان
يحتاج قلبًا آخر
غير الذي أحبّني.
فدعينا نعترف،
ولو مرةً واحدة،
دون كبرياء:
نحن لم نكن يومًا
مزاجيّين في الحبّ…
كنّا مزاجيّين في العتاب،
مزاجيّين في القُرب،
مزاجيّين في الكلام،
وفي الصمت،
وفي الرحيل والعودة.
أما الحبّ…
فكان الشيءَ الوحيد بيننا
الذي لم يغيّر مزاجه قط.
نحن الذين كنّا نتغيّر؛
مرّةً نقترب،
ومرّةً نهرب،
مرّةً نشتاق،
ومرّةً نتظاهر بالنسيان.
حتى ظننّا
أن الحبّ يشبه تقلّبنا…
ولم نفهم
إلّا بعد كلّ هذا الرحيل والعودة،
أننا لم نكن مزاجيّين في الحبّ…
كنّا مزاجيّين في كلّ شيء،
إلّا الحبّ.












