قبل أن يحين الرحيل

ربما يتساءل أحدهم: لماذا تُحدثنا عن الموت، ألا يكفينا أننا أصلا مثقلون من الحياة..! حروب وأزمات وأمراض وضغوط ومسؤوليات لا تنتهي، وكأن الإنسان يحتاج إلى نافذة يتنفس منها لا إلى حديث يذكره بالنهاية. لكن قل لي بربك لو أننا بالفعل تجاهلنا الحديث عن الموت، أو انشغلنا بالحياة، فهل هذا يمنحنا استثناءً من السنن الإلهية. بالمختصر المفيد، نحن ابتداءً ليس لدينا النية أن نجعل من الموت هاجساً يفسد علينا أيامنا، ولكن أن نوقظ في داخلنا ذلك الشعور بالمسؤولية، حتى نتمكن من أن نعيش في ما تبقى لنا من حياة على نحو أفضل.
الموت في جوهره ليس موضوعا للموتى، بل للأحياء. فنحن لا نتأمل النهاية كي نزهد في الحياة، وإنما كي نعرف قيمتها. حين يستحضر الإنسان أن أيامه ليست بلا نهاية، تصغر عنده خصومة كان يظنها عظيمة، ويسقط عتاب حمله سنوات، ويكتشف أن بعض ما استنزف عمره لم يكن يستحق ساعة ذلك العناء. حينها يتجلى اليقين، فالأهمية ليست لزمن الرحيل، وإنما لجوهر القلب الذي يبلغ نهاية الطريق، وللأثر الذي تتركه خطانا في المسافة الممنوحة لنا.
الاستعداد للرحيل لا يعني أن يتحول الإنسان إلى كائن ينتظر الموت، ولكن أن يصبح أكثر حضورا في الحياة. أن يصلح علاقته بربه، ويراجع علاقته بنفسه، وينظف قلبه ما استطاع من الحقد والحسد والخصومات، ويرد الحقوق إلى أصحابها، ويعتذر حيث يجب الاعتذار، ويصل من انقطع عنه، ويمنح أهله من وقته وحنانه قبل أن يمنحهم الآخرون كلمات العزاء بعده. تلك ليست ترتيبات للموت بقدر ما هي ترتيبات لحياة أنظف وأهدأ وأصدق.
هناك رصيد آخر لا يظهر في الحسابات المادية، لكنه قد يكون أثمن ما يتركه الإنسان وراءه: الأثر. كلمة طيبة بقيت في قلب أحدهم، يد امتدت إلى محتاج، ابن صالح، أشخاص تغيرت حياتهم إلى الأفضل بسبب كلمة قلناها أو مقالة نشرناها، أو قلب منكسر وجد عندنا شيئا من الرحمة. ليس ضروريا أن نصنع أعمالا عظيمة كي تكون لحياتنا قيمة، فكثير من الآثار الجميلة صنعتها أفعال صغيرة لم يصفق لها أحد، لكنها بقيت حيث ينبغي لها أن تبقى.
لو أردنا أن نحول فكرة الاستعداد إلى خارطة طريق، فلن نحتاج إلى برنامج معقد. يكفي أن نراجع بين حين وآخر خمسة أرصدة في حياتنا: رصيدنا مع الله، ورصيدنا مع الناس، ورصيدنا مع أنفسنا، ورصيد الحقوق التي في أعناقنا، ورصيد الأثر الذي سنتركه بعدنا. كلما وجدنا نقصا في أحدها بادرنا بترميمه دون انتظار مناسبة أو مرض أو فقد يهزنا. المراجعة المبكرة رحمة، وما يمكن إصلاحه اليوم قد يصبح غدا مجرد أمنية.
في النهاية، نحن لسنا بصدد الكيفية التي سيتذكرنا الناس بها بعد أن نرحل. حتى ذكريات الناس تخفت مع الزمن هي الأخرى. الأهم ما الذي نريد أن نجده حين نلقى الله؟ هنا تتغير بوصلة الحياة كلها. لا يعود النجاح فيما جمعناه وحده، ولا في المكانة التي بلغناها، ولا في عدد من عرف أسماءنا، لكن في القلب الذي حملناه، والحقوق التي أدّيناها، والخير الذي زرعناه، والشر الذي كففناه. أن نصل إلى آخر الطريق وقد بذلنا ما نستطيع لنترك ورائنا ذمة أخف وقلبا أسلم وأثرا طيبا ينتفع به الناس بعد رحيلنا.
لسنا مطالبين بأن نعيش خائفين من الموت، بل أن نعيش مستعدين له. وبين الخوف والاستعداد مسافة كبيرة، الأول قد يشل الإنسان، أما الثاني فيوقظه. ولعل أجمل ما نصنعه بحقيقة الموت أن نجعلها سببا لنحيا بصورة أجمل: نحب قبل أن نفقد، ونعتذر قبل أن يفوت الاعتذار، ونسامح قبل أن يصبح الصفح بلا عنوان، ونعطي قبل أن تعجز أيدينا عن العطاء، ونقترب من الله قبل أن تنتهي المسافة التي سمح لنا أن نسيرها إليه.
كأس الموت سيمر على الجميع، عاجلا أو آجلا، لكننا اليوم ما زلنا في الجهة الأخرى منه، نملك وقتا، ونملك إرادة، ونملك فرصة. تلك وحدها نعمة تستحق أن نستيقظ لأجلها. نسأل الله أن يطيل أعمارنا في خير وعافية، وأن يعيننا على إصلاح ما بقي، وأن يجعل أيامنا القادمة أصفى من أيامنا الماضية، وأثقل في ميزان الخير، وأن يرزقنا جميعا سلامة القلب وإتقان العمل وحسن الخاتمة.












