آخر تحديث: 9 / 10 / 2026م - 12:37 ص

لمعلّمة

عماد آل عبيدان


في القديح.. كما في أغلب بلدات القطيف.. كان بيت ”لمعلّمة“ من البيوت التي يعرف الصغار طريقها جيدًا. تذهب الأم بابنتها إليها وقد يلحق بها أخوها الصغير.. تتركهما عندها وتمضي لشأنها. وفي الداخل تجلس ”الوليدات“ حول المعلّمة وتتداخل أصواتهن.. وتفلت ضحكة من إحداهن فتجر ضحكة أخرى.. والعيون تلتفت إلى الباب في انتظار دخولها.

للقرآن مكانه الكبير عند ”لمعلّمة“.. ومعه يتعلم الصغير القراءة والكتابة. وبعض المعلّمات يعرفن الحساب ويعلمن الخط والإملاء وما تيسر من اللغة. وبعد دخول المدارس بدأت كتبها تصل إلى بيت المعلّمة مع البنات.. تأتي الصغيرة بدرس لم تفهمه أو كلمة استعصت عليها أو واجب تريد من يعينها عليه.

وفي مجلسها تتعلم الفتاة صلاتها وبعض أحكامها وتسمع السيرة والقراءة الحسينية.. وقد تجرب القراءة بصوت يخفضه الخجل فتتلعثم عند كلمة.. تعيدها لها المعلّمة وتنتظر حتى تستقيم على لسانها. وللمعلّمة عين تعرف بها صغيراتها.. مَن حفظت ومَن جاءت بحفظ ناقص ومَن تركت قلبها يلعب في الخارج وجاءت بجسدها فقط إلى المجلس. وقد تحاول إحداهن الاختباء خلف رفيقاتها فلا تنجو من عين المعلّمة.. والقديح صغيرة وأهلها يعرف بعضهم بعضًا.. وربما سبق الخبر الصغيرة إلى بيت أهلها قبل أن تجد لنفسها عذرًا!

وكثير من الأمهات والجدّات عرفن هذا المجلس صغيرات.. جلسن فيه وتعلمن ثم حملن ما تعلمنه إلى بيوتهن وأبنائهن. ومنهن مَن كثر الصغار الذين يطرقون بابها مع الأيام للتعليم حتى أصبح لهم مجلس عندها.. وصارت هي الأخرى ”لمعلّمة“.

وللأربعاء نكهته عند ”لوليدات“.. ف ”المساية“ تنتظرهن. ويخرجن مع المعلّمة وتعلو أصواتهن بما حفظنه.. وقد يطفن بالمساجد القريبة. وللمواسم والأعياد فرحتها أيضًا.. يحمل الصغير ما اعتاد أهله أن يقدموه للمعلّمة ويعود إلى البيت وفي جعبته من الحكايات ما يكفي ليشغل أهله بأحداث يومه بقية اليوم.

ومن ذلك المجلس قد يخرج صوت قارئة حسينية أيضًا.. فتاة حفظت وسمعت وجربت صوتها على استحياء وتلعثمت ثم أعادت ما أخطأت فيه.. فتكبر ويقوى صوتها وتعرفها البلدة في مجالسها. وقد يأتي يوم تجلس فيه أمام فتيات صغيرات تصغي إلى قراءتهن وتردهن إلى الكلمات التي تعثرن فيها.. كما كانت معلّمتها تفعل معها.

ثم بدأت حقيبة المدرسة تظهر على أكتاف بنات القديح.. وأصبح للبيت موعد مع عودة البنت من المدرسة بعدما اعتاد موعد خروجها إلى ”لمعلّمة“. ولم تنقطع صلتها ببيت المعلّمة.. تذهب إلى المدرسة صباحًا وقد تمر بها عصرًا أو ليلًا.. تقرأ القرآن وتراجع درسًا وتعود.

ومع السنوات صارت المدرسة جزءًا من يوم البنت وحياتها.. تنتقل من صف إلى صف ومن مرحلة إلى أخرى. ووصلت بنات إلى تعليم لم يكن متاحًا لأمهاتهن.. حتى دخلن الجامعة وعدن إلى مدارس القطيف معلّمات.. ومضت أخريات إلى مهن لم تكن بنات الجيل الأول يعرفن طريقها.

والمعلّمة التي كانت تستقبل صغيراتها في غرفة من بيتها أصبح لها امتداد آخر في المدرسة.. فصل تمتلئ مقاعده بالطالبات وكتب ومناهج ودراسة تؤهل المعلّمة لمهنتها. وهناك تعرف المعلّمة طالباتها بأسمائهن ومستوياتهن وما يتعثرن فيه من دروس.. وتفرح بصغيرة كانت تخطئ في القراءة ثم تراها تقرأ أمام زميلاتها بثقة.

وبعد سنوات من انشغال أم بدفاتر أبنائها وجدت دفترًا ينتظرها هي أيضًا في فصول تعليم الكبيرات. كانت تساعد صغيرها بما تعرفه من القراءة والكتابة ودروس صفوفه الأولى.. ثم تذهب في المساء لتتعلم ما فاتها. وقد تعود بواجبها إلى البيت وتدفعه إلى ابنتها مبتهجة ضاحكة لتراجعه لها هذه المرة! فالبنت التي كانت أمها تمسك بيدها إلى المدرسة أصبحت تجلس إلى جانبها وتعينها على قراءة درسها.

ومضت المعلّمة مع زمانها.. بقيت السبورة وتغير ما حولها فدخل الحاسب والشاشة واتسعت وسائل التعليم.. وما كان يحتاج إلى كتاب يصعب الوصول إليه صار يظهر أمام الطالبة في لحظات وأصبحت المعلّمة تفتح لطالباتها أبوابًا من المعرفة لم تكن متاحة لمعلّمة البيت الأولى.

وللقديح مع بيت ”لمعلّمة“ ذاكرة لا تزال تعرف تفاصيلها.. تلك الغرفة التي كان يقصدها الصغار و”لوليدات“ حول المعلّمة.. مصحف وكتاب أمام طفل يحاول أن يقرأ. فقد تكون أمّه جلست في الغرفة نفسها قبله.. وربما جدّته أيضًا.

يتعثر في كلمة..

وتعيدها له ”لمعلّمة“.. فينظر إليها ويسمع ويحاول مرة أخرى.

ويقرأها هذه المرة كما سمعها منها وتعلّمها على يديها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
اسماعيل هجلس
8 / 10 / 2026م - 9:09 م
جميل