آخر تحديث: 7 / 10 / 2026م - 11:50 م

المُعَتَّق.. صوغة أمجد المحسن

سالم الأصيل


"لا تغِبْ!
ولا تأتِ إلا بالغنائمِ إن غِبتَ،
وإلا.. لا تأتِ"

امتثل الشاعرُ أمجد المحسن لوصيته حيال الغنائم، قبل أن يُلقيها على مسمع الزمان والإنسان. هكذا أجدُه كلّما أطلّ بشعره في عملٍ أو نصٍّ جديد، ومنه ما يطلع علينا به في مُعَتَّقِه الجديد. هذا الذي يجيء ليثبتَ المُثبت من تجربته الشعرية الفريدة، وروحه الشاعرة المتدفقة في أغوار الشعور الإنساني، وانعطافه صوب كل تفصيلة جمالية مخبوءة في ثنايا الزمان والمكان والإنسان. مُبرئًا ذمّته هذه المرّة في المُعتّق: ”أبرئُ ذمة نفسي من شِعر لا يُنزِلُ بَدْرَ حواسِّ الكلماتِ منّازلها“.

هو شاعرٌ يدين بالأشجار لتغدو أحلامه وأحلامنا معه مزدهرة: ”ندينُ بالأشجار، أحلامُنا مزدهرات“، مزدهرة بالنخل والرطب والعنب والرمان والليمون واللوز والريحان والترنج وكل ما تلِده الأرض، والمنجروف واللآلئ وما يجود به الخليج، وما تخبئه البحار من محار، والقفار والجبال والسهول والهضاب من أسرار. مُشيدًا بأخوّة الأشجار: ”نِعْمَ ابنُ آدمَ، حاطَ آدمَهُ.. بأخوّة الأشجار ما استسلم“

كما يدين أولاً وأخيرًا بشِعره فيقول: "أَدينُ بشِعري إذ أَدينُ بدِينِ
لكم دينُكم،
ما لا أرى،
ليَ ديني.."

معبِّرًا بأنه ذاته - بكل متعلقاتها - وشعره كلاهما الشيء ذاته:

"أنا شِعري،
أنا شِعري نسبي،
وعلى مذهبِ شِعري
مذهبي"

مُصِرًّا على تفرّده بين الناس مُعَرِّفًا نفسه بقوله: "هاتِ لي ما يفعلُ الناسُ، ولنْ أفعَلَه،
هكذا تعريفُ نفسي: واحد من عَشرةٍ في يدِ شِعري.....".

أزعم أني اطّلعتُ - رغم القصور في الأدوات والتقصير في المجهودات - على تجربة الشاعر المحسن فيما سبق هذه الصوغة؛ بالاطلاع على تجربة طويلة كان باكورتها «سهرة عباسية»، ثم «أدراج»، وبعده المنثور في «مكعب روبيك» فالوقوف في «حضرة ذوات الأكمام» التي وقف فيها على تفاصيل الزمان والمكان والإنسان في منطقتنا العريقة كما لم يقف عليها كثير من أهلها. ثم «الراهنامج»..

وصولاً إلى هذا العمل الأكبر؛ موضوع الحديث الذي جاء بعد غَيبة هي بمثابة ما يسميه في الغنائم ”الغَيبةُ ليست الغياب. هي أوبةٌ بعد انصرافٍ ثُمَّ انصرافٌ وأوبة“.

جاء هذا المولود أخيرًا لكنه الأكبر تجربة و”حكمة“ بين إخوته تحت اسم «مُعَتَّق.. أو صوغة النديم للنديم»، الصادر عن ”دار بسطة حسن للنشر والتوزيع“ في ثلاثة أجزاء. والذي يعرِّفه الشاعر نفسه بقوله: ”هو تشكيل شعري واقتراح كتابي متعدد الأنماط“.

مخاطبًا من خلاله الشعر والشعراء والأحداث والأشخاص والمقامات والقامات والحضارات وحضرها والبداوة وأربابها والخُبْزَ والخَبَر والحِبْر والحَبْر والقطيف وتاروت ودارين والأحساء والبحرين والبر والبحر والعيون والماء والهواء والأشياء.

جلسة أو جلستان لا تكفي!

بعض الأعمال الشعرية والأدبية يمكنك قراءتها في جلسة أو جلستين، أو مقسمة على وجبات متعددة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة أو اليدين، إلا إنني في حضرة عمل كبير ك «صوغة النديم للنديم» أجدني أمام واحد من الأعمال المنعتقة من ربقة العدد والجلسات المحدودة التي ينقضي بانقضائها رفقته، فالرفاق أصناف؛ منهم من تقضي معه الطريق تمضية للوقت وتسرية لهَمّ الوحشة من الوقت، ومنهم من هو نديم مستدام، للعمر وما بعده، وفي حضرة الصوغة أجدني أمام عملٍ مرجعيّ، يُلجأُ إليها كما يُلجأ إلى النديم، أو هي صوغته إليه في غيابه إن غاب، كما هي جديرة أن يُرجع إليها كما يُرجع اليوم إلى النصوص الأدبية التراثية الكبرى التي يُقرأ من خلالها زمان أو مكان ما، أو إنسانهما. ولأجل ذلك يمكن القول باطمئنان أنك أمام عمل متجاوز لزمانه، دون أن يكون خارجًا عنه وعن لوازم المنادمة فيه.

"لا تحسُها دفعة واحدة....

اسقنيها القصيدةَ لم تُبتذل على سابلةٍ أو رادة مقاهٍ عابرين، ولم تُتْلَ في مصاطب العيّارين في هواء الغادي والرائح.. اسقنيها كما ينبغي للثمينة أن تسقي.. اسقنيها مشعشعة كأنّ كلّ لونٍ فيها. وخالصة تكادُ تضيء."

فخ الاقتباس

ثم إنني وقفتُ على عديد من النصوص التي توافرتُ على قراءتها متفرّقة قبل أن أقرأ منها وفيها مجتمعة تحت سقف واحد بين دفتين، راغبًا في الاقتباس منها، فوجدتني حائرًا في حضرتها؛ أيها يُقتبس؟ وأيّها يُترك؟! والحال أن لا شيء للترك. مردّ ذلك لسببين؛ أولهما أن للنص كتلة واحدة تخشى الاقتطاع منها فيُبتسر المعنى وإن لم يعترِ الاهتزاز المبنى المتماسك كالبنيان المرصوص في عمارة واحدة، والمنتظم كمصفوفة واحدة. وثانيهما أنك تخشى الاقتباس؛ الذي هو من أصعب المهمات، فالاقتباس هو فن الوقوف، فن الاقتناص، ثم فن الانصراف. وهو ما أجدني الآن في غمرته الآن وأنا أكتب عن المُعَتَّق. كنت أقول وأنا أتقلب بين النصوص؛ الشذرة منها سواء أو القصيدة لا سيّما المُطوّلات منها أقول بقول الشاعر إياه: ”اسقنيها القصيدة“!

نعم؛ الاقتباس فنّ، ولأنه فنٌّ قائم بذاته، يحتاج اقتحامه إلى مهارة خاصة، بل ربما إلى مَلَكَة بذاتها حيال النصوص المتراصة المتراكبة المنيعة والممتنعة رغم بَدْو ترامي أطرافها في المُطَوَّلِ منها.

سؤال مُلِحّ

قد يقوم الشعر - في أحد أدواره الضمنية - بدور التوثيق والتأريخ للزمان والمكان، غير أن الشعر النافذ والخالد هو ذلك الذي ينطلق من وإلى جهة أعمق؛ إذ يعمل على النفاذ إلى جوهر الزمان والمكان والإنسان، والوغول بعمق إلى روح الأشياء والشخوص والأمكنة والأزمنة التي يتناولها.

يواجه المبدعون - وبينهم الشاعر - سؤالًا مُلِحًّا بعد إنجاز كل عمل إبداعي فحواه: ماذا بعد؟ وهل هي النهاية؟ ذلك السؤال الحقيقي الذي يشبه الأسئلة الوجودية في دورة حياة المبدع. غير أن المبدع الحقيقي هو الذي يجعل من هذا السؤال منطلقًا للما بعد، والولوج إلى الما وراء في سيرورة المسيرة الإبداعية الممتدة أبدًا.

وقد كان التحدي هنا يكمن في السؤال الكبير الدائم الذي يمثل كقاضٍ يُحتكم إليه في كل عمل أدبي أو ثقافي: ما الذي يمكن أن يضيفه الشاعر أو الكاتب في كلّ مرّة؟ سؤال يمرق كالسهم يشقّ الهواء مزدوجًا ذو شعبتين: إضافته للقارئ من جهة، وإضافته قبلاً لتجربة الكاتب من جهة أخرى.

ما يبقى

أما الباقي فهو المتوافر على شروط البقاء، الثابت بعد أن يضمحل الطارئ المتحرك إلى حيث يجب، فالزمن غربال، وما يستحق أن يحفظه الغربال والذائقة المُصفّاة بعد زوال المُعترِض من الأمراض التي تعتري المثقّفين فتعلقُ برداء الثقافة؛ من قبيل: العلاقات الاجتماعية والصداقة والنسب والانتساب إلى الكيانات المتولدة عن الجماعات والمجاميع.

إذا كان الوعد في اليوم الموعود أن: كُلّهم آتيه فردًا، فثمة يوم أدبيّ موعود يغدو فيه البصر «الذائقة» حديدًا؛ بعد أن ينكشف عنه كل تلك المؤثرات والمشوّشات التي اعترضت الطريق الشاقّ والشائق في آنٍ نحو الأدب الرفيع والفن الخالص.

هذا لا ينحصر في عمل دون عمل، بل كل عمل رفعته رافعة الشهرة والمحبة، دون أن يتمتع بالجودة الخاصة الذاتية القائمة بالعمل الفني.