آخر تحديث: 7 / 10 / 2026م - 11:50 م

لماذا نحب الممنوع؟

عن الرغبة والخيال في Twilight

وجدان الياسين *


أعتقد أن جيل Z والألفية، على وجه الخصوص، كانا قد تابعا سلسلة Twilight كاملة، وهي سلسلة تتكون من خمسة أفلام تناولت وقوع إدوارد كولين، مصاص الدماء، في حب بيلا، الفتاة البشرية العادية.

لكن الأجيال التي ذكرتها بالتحديد لا تعرف الصراع الذي دار وقتها حول السلسلة؛ إذ صنفت بعض القراءات النسوية الغربية Twilight بوصفها تجسيدًا لانتهاك ذكوري يطبع إهانة المرأة، ويدفعها إلى الوقوع في حب الذكور أصحاب السلطة، الأشرار والمتملكين، مثلما فعلت ستيفاني ماير، كاتبة Twilight, حين جعلت إدوارد المتوحش يقع في حب فتاة بريئة ومسكينة مثل بيلا.

قراءة كهذه، لا شك لدي، تتسم بشيء من السطحية وعدم فهم الصراع الدائر في تفسير قصص الخيال الرومانسية المتعلقة بمصاصي الدماء أو المتوحشين الذين يريدون الاقتراب من الأنثى، أو كما تتخيلهن بعض النسويات: الأسد الذي يرغب بفريسته.

وربما لذلك علينا أن نعرف متى بدأت إدانة قراءة الروايات الرومانسية، وكيف انتقلت بعض هذه المخاوف لاحقًا إلى الأفلام، كما في السلسلة التي نتحدث عنها.

يعود تاريخ إدانة قراءة الروايات، عمومًا، إلى النسوية جيرمين جرير، ففي كتابها الصادر عام 1970، The Female Eunuch, انتقدت الروايات الرومانسية باعتبارها، في قراءتها، تكرس صورة للمرأة المقيّدة بالسلاسل.

وعندما نقارن ذلك بTwilight, نجد أن السلسلة تحتوي على كل ما نخاف منه في الحياة الجنسية / الخوف والرغبة، والرفض غير العقلاني، ثم القبول.

لكن هل روجت الروايات والأفلام فعلًا لذلك؟ وهل أفسدت الحب النقي على فتيات الجيل الصاعد؟

للإجابة عن ذلك، هذا يعيدني إلى أسطورة أريستوفانيس في مأدبة أفلاطون. تقول الأسطورة إن البشر خُلقوا بأربعة أطراف، أي أربعة أذرع وأربعة أرجل، ووجهين. وبسبب غرور الإنسان وتحديه للآلهة، قرر زيوس شطر كل إنسان إلى نصفين، ثم أنزل البشر إلى الأرض، ليبحث كل إنسان عن نصفه الآخر الذي يكمله. وعندما يعثر عليه، يشعر برغبة شديدة في الاتحاد به.

يمكن ربط ذلك ببطل القصة، إدوارد كولين. فإدوارد ليس وحشًا ساذجًا في القصة، بل كان يتوق إلى بيلا ويحبها، وفي الوقت ذاته يشعر برغبة شديدة في شرب دمها. هذا الصراع بين الحب والرغبة في الافتراس هو أحد أهم عناصر شخصية إدوارد، ويمكن أن نقرأه بوصفه صورة للتوق الذي يبحث عن موضوعه في الآخر.

وبيلا كذلك لم تكن الفتاة المسكينة فحسب التي تخضع لرغبات رجل يتوق إليها، بل هي ذاتها تمثل، بصورة ما، قول شوبنهاور إن الإرادة تدفعنا نحو أشياء نعتقد أنها ستشبعنا.

في صراع Twilight يتوق إدوارد إلى بيلا دون أن يريد إيذاءها، مع معرفته بقدرته على ذلك. وتتوق بيلا إليه وإلى القوة التي يمتلكها، إذ تشعر أن حياتها بدونه ناقصة، وأن وجوده يعيد إليها شيئًا لا تعرف كيف تسميه.

هذا أقرب إلى التوق.

في مأدبة أفلاطون كذلك، نرغب فيما نفتقده ونريد أن يبقى لنا. أما عند أريستوفانيس، فيأخذ التوق صورة أكثر شاعرية: الإنسان المشطور يبحث عن نصفه الآخر، وكأنه يحن إلى اكتمال مفقود.

ولهذا تقول باميلا ريجيس في كتابها A Natural History of the Romance Novel: ”إن العائق في الرواية الرومانسية هو الصراع؛ أي شيء يحول دون اتحاد البطلة والبطل.“

وهذا العائق مهم لتنمية الخيال، ولا يصح أن يُصنف بالضرورة بوصفه ترفًا أو تأسيسًا للأخلاق المنحطة، أو تمهيدًا للتوق إلى الرجل المؤذي كما يصوره بعض النقاد.

إن هذه التناقضات بين القوة والضعف، وبين المسيطر والمتحكم به، هي التي تصنع لذة التناقض فيما نشاهده، وتصنع لدينا توقًا شخصيًا إلى اكتمال القصة.

وعلى هذا يمكن أن نفهم مقولة فرويد عن التناقضات والرغبة، حين يقول ”إننا مُهيّأون بحيث لا نستطيع الاستمتاع إلا بالتناقضات بشكلٍ مكثف.“.

لكن ماذا عن القضية الأخرى التي تُطرح في هذا الجانب، والتي كان من روادها شيلا جيرفيز؟ لقد ناقشت قضية السادية والمازوخية، ورأت أن الجنسانية، بطريقتها التقليدية التي تُطرح حتى في الرومانسيات المعروضة، قد تكون تثبيتًا لسلطة الرجل على المرأة، وأن القضية تتعلق بالنظام الأبوي الذي تنطلق منه في تفسيرها.

أعتقد شخصيًا أن القراءة النفسية، سواء في إطار الجنسانية أو في صياغة الرومانسيات التي تنتقل إلينا عبر الشاشة أو الكتب، يمكن أن تعيننا قليلًا على فهم المسألة.

في سياق حياة المرأة عمومًا، ارتبطت قيمتها منذ القدم بالزواج، وكذلك بالزوج المقتدر والغني بالضرورة، وكانت المبادرات الجنسية الأنثوية الصريحة، جندريًا وفي كثير من المجتمعات السابقة، تُعد تصرفًا ذكوريًا بحتًا.

وفي التاريخ المسيحي، مثلًا، كانت قصة حواء والسقوط جزءًا مهمًا من بعض التقاليد والتفسيرات التي ربطت المرأة بالغواية والفتنة والخطيئة. وقد ساهم هذا التحفظ، إلى جانب عوامل أخرى أكثر تعقيدًا، في خلق شعور بالذنب تجاه الرغبة الجنسية لدى بعض النساء، وهي عوامل تتمظهر كذلك في التربية والمجتمع وطريقة النظر إلى الجسد.

أما بعض الدراسات الحديثة فقد أشارت فعلًا إلى وجود ارتباط بين الشعور بالذنب الجنسي وبعض أنماط الرغبة والسلوك الجنسي لدى النساء، لكن الأمر أكثر تعقيدًا من أن نقول إن الذنب وحده ينتج عنه المازوخية مباشرة.

وهنا تظهر القراءة النفسية التي تهمني.

ففي بعض الخيالات، قد تستمتع المرأة بصورة تكون فيها أقل فاعلية، بأن يكون الرجل هو المبادر وصاحب القوة. الرجل هو الذي قام بالفعل، وهي لم تكن مضطرة إلى التعبير عن رغبتها بصورة مباشرة.

وهذه القراءة مهمة لفهم سبب انجذابنا إلى بعض الشخصيات الخيالية من خلال تفسير ديناميكيات العلاقات بين الجنسين.

أما الرجل، في هذا النوع من الخيال، فيمكن أن يُقدَّم بوصفه صاحب السلطة والهيمنة والقدرة.

ولذلك تتغذى بعض الرومانسيات الخيالية على هذه التناقضات.

لكن هذا لا يعني أن المرأة تريد القوة أو الإذلال في واقعها.

وفي الصورة الأكثر عمقًا تتمثل قراءتنا لهذا النمط من القصص، حول عدة نقاط سأحاول اختزالها قدر الإمكان:

1 - الخيال لا يساوي الرغبة في حدوث الشيء واقعيًا.

تتحدث دراسات عديدة عن وجود خيالات جنسية تتضمن العنف أو تجاوز الممنوع أو الخضوع، دون أن يعني ذلك رغبة فعلية في حدوث هذه الأشياء خارج الخيال أو خارج سياق العلاقة الآمنة والموافقة.

2 - عنصر الخطر نفسه يمكن أن يرفع الإثارة، لكن داخل سياق آمن.

في Twilight يشكل إدوارد خطرًا على فتاة يحبها، فهو يرغب بامتصاص دمها لكنه يقاوم نفسه من أجلها. وبيلا تكتشف أن هذا العنصر الممزوج بالخطر والمقاومة محبب إليها.

وهنا يتشكل مثلث بين التوق والرغبة والحاجز النفسي في القصة.

فرويد يقول: ”إن تاريخ الحضارة الإنسانية يُظهر بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك علاقة وثيقة بين القسوة والغريزة الجنسية“ ومن الواضح أن فرويد لا يتحدث عن الاغتصاب بل يتحدث عن رغبات موجودة بين طرفين في علاقة.. ومندمجة مع الغريزة نفسها.

3 - الخضوع حاضر بوصفه أحد السيناريوهات السائدة التي قد تثير اهتمام النساء.

وقد تكون للسياقات الجندرية والثقافية علاقة بطريقة ظهور هذا النوع من الخيال، لكن من الخطأ تحويله إلى صفة نسائية حتمية. فالخيال الجنسي أكثر تنوعًا من ذلك، والخضوع ليس التوجه الوحيد بالضرورة وإن كان حضوره أقوى لدى الجنسانية الأنثوية.

4 - قد يعمل بعض الخيال بوصفه مساحة لتخفيف المسؤولية النفسية عن الرغبة.

وهنا يمكن أن نفهم لماذا تكون بعض السيناريوهات التي يكون فيها الرجل هو المبادر جذابة؛ فهي تمنح المرأة، داخل الخيال، فرصة لأن تكون مرغوبة دون أن تضطر إلى أن ترى نفسها دائمًا بوصفها الطرف الذي بادر وأعلن رغبته.

ولهذا لاحظت الكاتبة والصحفية الأمريكية نانسي فرايدي، في كتابها My Secret Garden: Women’s Sexual Fantasies, الذي عُد جريئًا في طرح الخيالات الجنسية للنساء، حضورًا لافتًا لخيالات القوة والخضوع والخطر والممنوع.

كانت فرايدي مهتمة بما يحدث داخل الخيال، حيث تستطيع المرأة أن تدخل سيناريو لا تتحمل فيه بالضرورة المسؤولية الكاملة عن رغباتها حيث تكون المشاعر على الشكل الآتي: هو الذي بادر، أما أنا فلم أفعل.

وهذا يعيدني إلى عام 2010، عندما نشرت The Guardian مقالًا بعنوان صريح جدًا: ”Twilight’s feminist backlash“، انتقدت فيه دور بيلا السلبي واعتمادها على إدوارد أو جاكوب، كنت أعتقد أن القراءة التي قدمها هذا النقد لا تستنفد ما يمكن أن تفعله القصة نفسيًا داخل خيال القارئة.

فالقصة نفسها لا تتوقف عند صورة الفتاة الضعيفة؛ بل تنقل لنا في نهايتها انقلابًا في الأدوار، إذ تتحول بيلا، بعد ولادتها لطفلتها من إدوارد وتحولها إلى مصاصة دماء، إلى امرأة تمتلك قوة تفوق إدوارد نفسه.

وما أريد قوله في سياق هذا التحليل هو أنني، حتى مع شرحي للمازوخية أو السادية في السلسلة، أعلم جيدًا أن هذا ليس السبب الوحيد لما عبر عنه بعض النقاد بتبعية بيلا أو انقيادها للرجال الأقوياء في Twilight.

أما التفسير الذي يمكن أن يدعم ذلك، فقد ذهب إليه عالم النفس والفيلسوف الاجتماعي إريك فروم في كتابه الخوف من الحرية، حين تحدث عن آلية السلطوية، التي يمكن فيها للمرء أن يتخلى عن جزء من استقلاله ويلتحم بشخص أو قوة يراها أعظم منه.

وجانب من هذا الالتحام يمكن قراءته بوصفه رغبة في اكتساب شيء من هذه القوة بالنيابة.

ولهذا وصفت بيلا إدوارد بوصفه كائنًا خالدًا، شديد الجمال، خارق القوة، وقادرًا على إنقاذها. لقد أضفت بيلا على إدوارد صفات شبه إلهية.

ليس لأنها تريد أن تعيش بدور الحمل الوديع بجانب الأسد القوي إلى الأبد، بل لأنها أرادت بعض صفات الأسد لنفسها: أرادت المكانة، والحضور، والقوة.

وهذا النسق من العلاقات، بين الأعلى والأسفل، يغذي لدى بعض النساء أيضًا شعورًا بأنهن مرغوبات بشدة؛ فأن يرغب بك شخص قوي يمكن أن يصبح دلالة على التميز والاختيار: لقد اختارني هو، رغم قدرته على اختيار غيري.

وهنا لا يعود السؤال متعلقًا فقط بمن يسيطر ومن يخضع، بل بمن يختار ومن يُختار.

لذلك لا أعتقد أن القراءة النسوية، في أكثر أشكالها اختزالًا، تكفي وحدها لتفسير هذه الظاهرة؛ لأنها تلغي الجذور والأسباب وتتعامل معها بوصفها علاقات واقعية ينبغي التخلص منها، بينما الجنس والرغبة والخيال أكثر تعقيدًا من ذلك.. الجنس بشكل ما.. يسخر من العقلانية المفرطة حوله.

والموضوع، وإن كانت له جذور اجتماعية وثقافية، لا يمكن إلغاؤه بمجرد رفع مستوى الوعي أو رده بالكامل إلى الذكورية. بل أن فهم ذواتنا وحدودنا هو ما يجعلنا نميز بين أن نحب شيئًا في الخيال وبين أن نسمح له باستعبادنا في حياتنا الخارجية.

وهذا نابع أيضًا بقبولنا أن ”الجنسانية“ ليست فعلًا بريئًا تمامًا.

الفيلسوف واللاهوتي أوغسطينوس كان يرى أن الشهوة الجنسية لا تنصاع للإرادة دائمًا؛ فالإنسان، في تصوره، يعيش انقسامًا بين إرادته وبين جسده، وبين ما يريد أن يفعله وما قد تفرضه عليه الشهوة.

ولذلك كان حديثه عن الرغبة الجنسية مرتبطًا بمشكلة أوسع وهي مشكلة إرادة الإنسان وسيطرته على جسده.. وهو إذ تغلب عليها فقد صرح بأنها ”بفضل الله“.

وفي الاعترافات يعبر عن هذا الصراع بعبارته الشهيرة:

”أعطني العفة والعفاف، ولكن ليس الآن.“

وهي عبارة تعصف بنا لأنها تختصر انقسام الإنسان إذ يشرح فيها كيف أن الرغبة تريد شيئًا، والإرادة تريد شيئًا آخر.

ومن هنا يمكن أن نفهم كيف أصبحت الجنسانية، تاريخيًا، موضعًا للصراع بين الرغبة والانضباط، وبين الجسد والإرادة، وبين ما نريد وما نعتقد أنه ينبغي لنا أن نريده.

ومن الساخر هنا أن بعض القراءة النسوية تبدي موقفًا أكثر تشددًا من المسيحية ذاتها.. من خلال وضع ضوابط جنسية محددة لا يمكن التنازل عنها.

ولهذا أجد المفارقة مثيرة: بعض القراءات النسوية المتشددة كانت تريد تحرير المرأة من الرجل المسيطر، ومن المجتمع الذي يفرض عليها صورة معينة، ومن السلطة التي تجعلها تابعة. لكنها حين تنظر إلى الجنس أو الخيال نفسه قد تصل، أحيانًا، إلى مطالبة المرأة بأن تتحرر حتى من بعض رغباتها وخيالاتها.

والموقف هنا لا يحتاج إلى أن يكون إما أن نخضع لهذه الخيالات أو ندينها.

هناك خيار ثالث: أن نفهمها.

فليس هناك ما يدعم أن كل خيال يتضمن الإيذاء أو السيطرة يقصد إيذاء المرأة في الواقع. وعلى العكس، يمكن للأدب والروايات والأفلام الرومانسية أن تكون منافذ ومساحات لهذه الخيالات، تحديدًا لأنها تضعها في عالم متخيل يمكن للقارئ أن يدخله ويخرج منه.

وفي الوقت نفسه، نعلم أن العلاقات الواقعية شيء آخر تمامًا، وأنها تحتاج إلى حدود واضحة وموافقة متبادلة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالجسد والإيذاء.

أما النقطة التي أود بيانها، فهي أنني لا أتحدث هنا باسم كل النساء. أعلم بوجود خيارات أخرى في خيال الأنثى حول الرجل، وكذلك خيالات أخرى في ذهن الرجل حول المرأة. والسادية والمازوخية نفسيهما لم تكونا موضوعًا نسائيًا خالصًا؛ بل أن جذور مسمى السادية يعود لرجل وجذور المازوخية يعود مسماها لرجل أيضًا.

إذ لست أختزل المسألة في نوع معين من تبادل القوى أو الحديث عنها، وإنما المقصد هو القراءة الأكثر شيوعًا وتبيان أثرها علينا.

ففي بيلا، وبعد أن بيّنا تطورات شخصيتها، نراها تعود في الجزء الأخير بقوة تفوق إدوارد. إنها تختبر الأنوثة بكل تجلياتها في البداية، ثم تختبر جزءًا من قوة من تحب.

ولهذا تقول لورا كينسيل، المتخصصة في الروايات الرومانسية وتاريخها:

”تتيح الرومانسية للقارئة استكشاف العناصر الذكورية الكامنة فيها والتصالح معها.“

وهذه ليست قراءة تفوق واقع الرومانسيات، مهما وجدنا بعضها ساذجًا أو مملًا، بل هي محاولة لفهم كيف جذبت هذه القصص جمهورها، ولماذا جذبت هذه القصص هذا الجمهور تحديدًا.

أما الإسقاطات على سلسلة Twilight فليست أيضًا محض ادعاء محبب؛ ففي مقابلة لروبرت باتينسون، مؤدي دور إدوارد، أشار إلى شعوره بأن كاتبة السلسلة وضعت خيالاتها الجنسية في بعض المشاهد وفي ”بيلا“ كامرأة.

ورغم أن ستيفاني ماير كانت من الذين يقدمون الرومانسية ضمن ضوابط محددة وبصورة محافظة نسبيًا، فإنها تنقل لنا بصيغ متعددة التوق إلى بعض صفات الرجل، والصراعات التي دارت داخل بيلا بين جاكوب وإدوارد، ولعبة تجاوز الحدود.

ولذا لو أردنا أن نساهم بشيء ذا معنى، أظن أنه يجب أن نساهم كأفراد في شيء واحد، وهو ضمان حرية الخيال نفسه، لا جعله مدانًا بأدوات قمعية.

الموقف الراديكالي كان يدين هذه النوعية من العلاقات الجنسية التي يستمد منها الخيال صوره أو العكس لأنه أراد أن يقول.. على المرأة أن تتحرر من الذكر المسيطر، ومن المجتمع الذي يفرض عليها ذلك، ومن شهوات نفسها كذلك.

وهذا، عمليًا، لن يحدث يومًا ما.

فالرغبة ليست مشروعًا سياسيًا يمكن هندسته بالكامل.

ومشكلة هذا الموقف، في رأيي، هي التشدد في ناحية معينة؛ فنحن نعلم، مثلًا، أن روز في Titanic, المنتمية إلى الطبقة العليا، تنجذب إلى جاك الفقير الذي يسافر على الدرجة الثالثة، وهو منطلق مغاير تمامًا لتعريفنا لحب القوة. وفي رواية مرتفعات وذرينغ تنجذب كاثرين إلى الفتى المتوحش.

وفي السياق نفسه، حتى لو ساد خيال معين، فهذا لا يعني إلزامنا به في حياتنا. هناك أنواع متعددة من الرغبة، وأنواع متعددة من القصص، وأنواع متعددة من العلاقات.

ولذلك لن يفلح أن تناقش الموضوع وتضع شروطك عليه كما لو كان درسًا تربويًا ينبغي أن يخضع الجميع له.

ستبقى هذه الثنائية موجودة، وسيبقى عكسها، قل أو كثر، موجودًا. وسيكون الخيال دائمًا بابًا لما لا يقال دائمًا، أو لما لا نعرف كيف نعبر عنه.

فأن نعيب الخيال يعني في جانب منه، أن ننتقد ذواتنا على باب حريتها الذي ليس من المفترض أن نحاسب عليه.

في نهاية الأمر يمكن أن يعيدك هذا، كقارئ أو قارئة، إلى سؤال جدلي:

ما الغاية من الفن؟

هل الغاية منه التربية الأخلاقية؟

أم هو مرآة للواقع؟

أم هو خيال هروب من الواقع ذاته؟

ستتعدد الإجابات.

لكني وككاتبة سأختار الأخير دومًا.