حين يسأل الإنسان… لماذا أنا هنا؟

قد تمرّ على الإنسان لحظات، وربما أيام أو سنوات، يشعر فيها بأنّه يمضي في الحياة دون أن يعرف إلى أين. يستيقظ، يعمل، يلتقي بالآخرين، يؤدي مسؤولياته، ثم يعود إلى يومه التالي، بينما يبقى في داخله سؤال لا يجد له إجابة:
لماذا خُلقت؟ وما المطلوب مني في هذه الحياة؟
هذا السؤال، وإن بدا بسيطًا، قد يكون من أعمق الأسئلة التي يمكن أن يطرحها الإنسان على نفسه؛ لأنّه ينقله من مجرد العيش إلى البحث عن معنى الحياة.
وهنا يظهر دور الوعي. فالوعي يجعل الإنسان يتوقف قليلًا عن الركض خلف تفاصيل الحياة، ليتأمل نفسه ويسأل:
من أنا؟
ماذا أريد؟
ما القيم التي أؤمن بها؟
وما الأثر الذي أريد أن أتركه في هذه الحياة؟
وقد دعا القرآن الكريم الإنسان إلى النظر في ذاته قبل البحث بعيدًا عنها، فقال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ . فالإنسان قد يمتلك الكثير من المعرفة عن العالم من حوله، لكنّه قد يظل غريبًا عن نفسه.
ومن هنا تبدأ رحلة الوعي؛ أن يكتشف الإنسان مواهبه، ويفهم مشاعره، ويدرك نقاط قوته وضعفه، ويتعرّف على القيم التي يريد أن يعيش وفقها، ثم يسأل:
كيف يمكن أن أوظف ما وهبني الله في خدمة نفسي وأهلي ومجتمعي؟
أمّا الغاية الكبرى من الوجود فقد أوضحها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . فالعبودية لله ليست انفصالًا عن الحياة، بل هي أن يعيش الإنسان مسؤولًا، نافعًا، أمينًا، مصلحًا، ومستثمرًا للنعم والقدرات التي وهبه الله إياها.
وفي تراث أهل البيت
نجد دعوة عميقة إلى معرفة الإنسان لذاته، فقد روي عن الإمام علي
: ”معرفة النفس أنفع المعارف“، ولذلك، فإنّ الشعور بالتيه قد لا يكون نهاية الطريق، بل ربّما يكون بداية الاستيقاظ. فحين يبدأ الإنسان في طرح الأسئلة بصدق، يبدأ الوعي في إرشاده إلى الإجابات.
ليس المطلوب أن يعرف الإنسان كل شيء عن مستقبله، وإنّما أن يعرف لماذا يعيش، وما الذي يستطيع أن يقدّمه، وأي أثر يريد أن يتركه.
فالحياة التي تُعاش بلا وعي قد تمضي سريعًا، أمّا الحياة التي تُعاش بوعي، فإنّ كل يوم فيها يصبح خطوة نحو معنى، وكل تجربة تصبح درسًا، وكل موهبة تصبح أمانة، وكل عمل صالح يصبح أثرًا يبقى بعد الرحيل.
وربّما يكون أجمل ما يكتشفه الإنسان في رحلة وعيه أنّ السؤال: لماذا أنا هنا؟
ليس سؤالًا يطلب إجابة فقط، بل هو سؤال يدعوه إلى أن يبدأ بصناعة الإجابة من خلال حياته.












