سَرَا التبريكات

لديّ خطة عبقرية للتعامل مع سَرَا التبريكات في الأعراس: أن أكون في قاعة الأفراح قبل موعد التبريكات بعشر دقائق.
أقول: كذا لن يستغرق الأمر أكثر من ثلاث دقائق. أدخل، أسلّم، أبارك للعريس ووالده ومن يقف بجانبهما، وأنسحب قبل أن يبدأ الزحام.
خطة محكمة.
المشكلة أن نصف المدعوين قرأوا الخطة نفسها، فيما يبدو.
تصل قبل الموعد بعشر دقائق فتجد أمامك سَرَا ملتفًا مثل درب الحيّة، ورجلًا في آخره ينظر إلى ساعته بالنظرة نفسها التي تنظر بها أنت إلى ساعتك. واضح أن الخطة العبقرية لم تعد سرًّا.
والمشكلة لا تبدأ دائمًا عند المصور.
أحيانًا تبدأ من صف المستقبلين نفسه.
العريس، وأبوه، وأبو العروس، وإخوة العريس، وأعمامه، وأخواله، ثم إخوة العروس وأقاربها، والأجداد… ويطول الصف أحيانًا حتى يصل إلى أطفال لم يبلغوا الحلم بعد.
وأنت مطالب، بطبيعة الحال، أن تسلّم على الجميع.
ثم يأتي التقبيل.
بعض المهنئين لا يكتفي بتقبيل العريس وأبيه، بل يصر على تقبيل كل من وقف في الصف.
ومع صف طويل، تبدأ العملية من الخد الأيمن، ثم تنتقل إلى الخد الأيسر، ثم تستمر قليلًا… وقليلًا آخر، إلى أن يصبح استمرارها مملًا حتى لمن لا يزال دوره بعيدًا.
وهناك من يكتفي بقبلة عابرة.
وهناك من يبدو أنه دخل السَرَا وفي نيته ألا يترك خدًا بلا نصيب.
ثم يأتي التصوير ليكمل المهمة.
في آخر السَرَا يقف رجل متململ يراقب الشخص الذي وصل إلى العريس.
صافح.
وقبّل.
وسلّم على من وقف معه.
ثم لم يغادر.
وقف «يضبّط كشخته».
عدّل غترته، وطقطق ياقة ثوبه، والتفت قليلًا، وابتسم للمصور.
عندها يهز صاحبنا في آخر السَرَا رأسه ويقول لمن حوله:
«المفروض يوقفون التصوير. واللي يجي يبارك، مو لازم يقبّل الصف كله! الناس واقفة تنتظر!»
ويهز الواقفون رؤوسهم موافقين.
رأي اجتماعي ناضج جدًا.
لكن انتظروا حتى يصل صاحبنا إلى أول السَرَا!
وكلما تكرر المشهد تباطأت الحركة، حتى يأتي أحيانًا القرار الحاسم:
أوقفوا التصوير.
وفجأة يمشي السَرَا كأن أحدهم فتح له إشارة خضراء.
المشكلة تظهر أكثر في مواسم الأعراس، فقد تكون لديك في ليلة واحدة دعوتان، وربما ثلاث.
تبدأ الحسابات اللوجستية: هذه المناسبة الساعة الثامنة. أعطي السَرَا عشرين دقيقة. ومنها إلى المناسبة الثانية ربع ساعة. أصل قبل التاسعة.
خطة ممتازة على الورق.
ثم تقف في السَرَا الأول خمسًا وأربعين دقيقة، وينهار الجدول الزمني كما تنهار خطط السفر عند تأخر أول رحلة.
لكن بعض الناس بدأوا يفكرون بطريقة مختلفة.
أحد الوجهاء، أثناء زواج ابنه، قرر أن يختصر صف المستقبلين من الأساس.
وقف هو، وابنه العريس، وأبو العروس فقط.
أما بقية أفراد العائلتين فتوزعوا على استقبال الضيوف والترحيب بهم، بينما جلس كبار السن في مكان مقابل؛ من أراد السلام عليهم مرّ عليهم بعد أن ينتهي من التبريك الخفيف.
لم يُلغِ أحدًا، ولم ينقص من قدر أحد.
لكنه ببساطة منع صف المستقبلين من أن يتحول إلى مناسبة مستقلة داخل المناسبة.
وفي زواج آخر لأحد أبنائه، رأى أحد الأعيان السَرَا وقد امتد إلى خارج سور القاعة.
فبدل أن ينتظر الناس حتى يصلوا إليه، خرج هو من صف المستقبلين، وبدأ يمشي على امتداد السَرَا، يسلم على المهنئين واحدًا واحدًا، ويطلب من كل من صافحه أن يتوجه مباشرة إلى قاعة الطعام وتناول وجبة العشاء.
واستمر حتى وصل إلى آخر السَرَا.
وبهذه الحركة البسيطة، بدل أن يمشي مئات الأشخاص إليه…
مشى هو إليهم.
وبدأت بعض العائلات تجرب حلولًا أخرى: وقت للتبريك، ووقت آخر للتصوير. من يريد التبريك يأتي في وقته، ومن يريد الصورة يعرف متى يحضر.
وأخيرًا اكتشفنا أن التهنئة والصورة ليسا توأمين ملتصقين.
وهناك حل آخر أكثر جرأة:
سَرَيان.
سَرَا تقليدي لمن يريد السلام والتقبيل والتصوير، وسَرَا سريع لمن يكتفي بالوقوف على مسافة مناسبة، يرفع يده ويقول:
«ألف مبروك، الله يطرح البركة ويسعدهم ويرزقهم الذرية الصالحة. بالغين في عيالهم».
ثم يكمل طريقه.
ولا ينقص المشهد إلا لوحتان:
تبريك إكسبرس > من هنا
السَرَا العادي > سلام + تقبيل + تصوير
وربما نضيف لاحقًا مسارًا ثالثًا لمن لديه ثلاث مناسبات في الليلة نفسها. هذا لا يتوقف أصلًا؛ يمر أمام العريس بسرعة منخفضة، يرفع يده، يقول «مبروك»، ويواصل السير.
مثل نقاط العبور الإلكترونية، ولكن بمشاعر أكثر.
العادة جميلة. لكنها لا تحتاج كل هذا الانتظار.
صاحبنا الذي كان قبل قليل يقول:
«المفروض يوقفون التصوير. واللي يجي يبارك، مو لازم يقبّل الصف كله!»
لما وصل دوره إلى أول السَرَا …
سلّم.
وقبّل هذا.
ثم ذاك.
ثم الذي بعده.
حتى أخذ الصف نصيبه كاملًا.
وبعدها وقف.
يضبّط كشخته.
عدّل غترته.
طقطق ياقة ثوبه.
نظر إلى المصور:
«هاه، كيف الصورة؟ عدلة وإلا تاخذ صورة ثانية؟!»












