ورّطني الغزل

دخلت الغزل بنية حسنة.. بقلب يحب امرأة ويكتبها كما يراها.. وكانت المرأة في أول الطريق روحًا تلوح من عينيها..
وجاءت بالهوى العذري تصغي
وفي عينيها وعد الروح أضوى
أُعرّي فيكَ روحي من سواها
ففيكَ الطهرُ قلبُ الروحِ مثوى
كان الهوى يتسع للروح والطهر وما تبوح به العين.. لكنها لم تأتِ إلى القصيدة بعينيها وحدهما.. جاءت بكاملها. تبعها الهدب والكحل والثغر والضفيرة والعطر.. حتى وجدتني في ”كل هذا الهوى“ أغار من الماء..
وأغار من ماءٍ يبلل ثغرها
إذ نال ما أبقى فؤاديَ محرما
والماء خصم يصعب أن تشكو منه إلى أحد.. لا تستطيع أن تطلب منه الابتعاد عنها ولا أن تأخذ عليه عهدًا بألا يعود إلى ثغرها.
والفنجان نال من أصابعها ما رفع منزلته عندي..
وأحب فنجانًا مسته أناملٌ
منها فأحسبه بذاك معظما
ومررت بالكرسي بعد قيامها..
وأمر بالكرسي بعد قيامها
فأمس موضع كفها مستنعما
ثم أحببت المكان من أجلها..
وأحب من أجل الحبيبة موضعًا
مرت به فغدا لقلبي محرما
واتسعت الدائرة حتى صار ما تحبه محبوبًا عندي أيضًا..
أهوى الذي تهوى فيكفيني به
أن الذي تهواه أضحى ملزما
فلم يعد الهوى بين رجل وامرأة فقط.. صار له ماء وفنجان وكرسي ومكان.. وكل ما اقترب منها أخذ نصيبه منها وأخذ نصيبي معه. ولم أكن أقاوم ذلك كثيرًا.. فالقصيدة نفسها تحفظ اعترافي..
فأنا الذبيح وما أريد سلامةً
ورضيت حكم جفونها المتحكما
ما خفت سهمًا من جفونها مرةً
أنا من أتى نحو السهام مقدما
والذي يمشي إلى السهم لا يحق له بعد الإصابة أن يكثر من الشكوى.
بعدها دخل القميص في الغزل.. ففي ”قرط فؤادها“ كانت تعبث بقرطها وتنشر ضفيرتها.. فرأت زرًا شاردًا..
زر تدلى من قميصي شاردًا
فدنت.. وردت للقميص تناغمه
هي لم تفعل شيئًا يستحق كل ما جرى بعده.. اقتربت وردت الزر إلى مكانه. أما أنا فرجعت أبحث في القميص عن شيء آخر..
ورجعت أبحث في قميصيَ عن يدٍ
مرت هنا…
مضت اليد.. وبقيت أبحث عنها.
ولم أتعلم من ذلك كثيرًا.. ففي ”على كفها“ عدت إليها. هذه المرة لم أبحث عن أثر تركته اليد.. أمسكت الكف نفسها.
خَلَعَتْ خَواتِمَها فَبانَ تَوَرُّدٌ
والبِنْصِرُ العاري يُثيرُ ويُوقِدُ
وأنا أُقَلِّبُ كَفَّها مُتَغَزِّلًا
والحُسْنُ بينَ خُطوطِها يَتَجَدَّدُ
سَرَقَتْ بِخُنْصِرِها لَذاذَةَ قُبْلَةٍ
فَتَسابَقَتْ خَمْسٌ إِلَيْها تَحْشُدُ
وتَطاوَلَتْ وُسْطاها مِنْ دَلّالِها
مِنْ غَيْرَةٍ سَبَّابَةٌ تَتَوَعَّدُ
في ”قرط فؤادها“ كنت أبحث عن يد مرت على قميصي.. وفي ”على كفها“ صرت أقلب الكف وأرى خطوطها وأوزع الغيرة حتى بين أصابعها. لم تعد اليد أثرًا في قميص.. صار لكل إصبع فيها نصيبه من الغزل.
ويكفي بعد اليد أن يمر العطر.. فقد حاولت الابتعاد في ”ويزعم أنه تاب“..
تبرأ من هواها ثم أضحى
يطارد في مسائه ما يغيبُ
وما نفع ابتعاد الخطو عنها
وفي قدميه من ليلى دروبُ
ابتعدت الخطوة وبقي الطريق في القدمين.. ثم مر العطر..
ومر العطر من جنبيه عفوًا
فباح بما تكتمه الحبيبُ
أحب ”عفوًا“ هنا.. فالعطر بريء فعلًا. لم يقصدني ولم يأت يبحث عني.. مر من جنبي وانتهى أمره. أما أنا فكان يكفيني منه ما يعيد المرأة كلها. ولم تكن التوبة مقنعة حتى وأنا أكتبها..
ما تاب قلبي من هواها.. كلما
قلت انتهِ يزداد فيها تيمما
ما عادت المشكلة في الطريق الذي أسلكه إليها.. الطريق صار فيَّ أنا. ومع ذلك وجدت متسعًا لأعلمها الحب في ”وأجادت“..
ونفثت فيها العشق حتى جادتْ
فتعلمت مني الهوى وأجادتْ
ألقيت في عينيها أول فتنةٍ
فأتت بفتنتها عليّ وزادتْ
وأريتها درب الدلال فما انثنتْ
حتى مشته عليّ.. ثم أعادتْ
وغرست في أعطافها فن الغوى
فجنت ثمار الحسن حتى سادتْ
علمتها الهوى والدلال والغوى.. وفوجئت بأنها أجادت ما علمتها إياه عليّ أنا. ولا أدري ماذا كنت أتوقع من تلميذة أخذت الدرس بهذا الجد.
حتى معرفتها لم تستقر لي..
وأظن أني قد عرفتك مرةً
فأراك أبعد كلما أتقربُ
فأمد نحوك فهم قلب كلما
ظن اكتمالًا.. جاء منه الأعجبُ
أقترب منها فيبتعد فهمي لها.. وأحسب أنني أمسكت طرفًا منها فتفتح العين ما لم تقله الشفاه..
توارت فالحروف على شفاهٍ
فيفصح في جفونك ما تخفى
وتترك للعيون نصاف بوحٍ
فيكمله الخيال بما تصفى
نصف البوح منها والنصف الآخر أكتبه أنا.. والعاشق ليس أمينًا تمامًا إذا أُعطي نصف جملة وطُلب منه إكمالها. أما الفصاحة التي أحملها إلى اللقاء فلم تكن أوفر حظًا..
وأهم قبل لقائها بفصاحتي
فإذا التقينا عاد نطقي أعجما
وأعد للعينين عزمًا صارمًا
فإذا رمتني مقلتاها أحجما
أجهز الفصاحة قبل الموعد.. وأعيدها معي بعده شبه جديدة.
والغيرة لم تكن كلها لي.. ففي ”وتظن قلبي“ تركت لها الكلام.. فكانت غيرتها أهدأ من غيرتي وأوجع..
ما غرت من أي النساء وإنما
من فكرة أني لديك سأنكرُ
هي لا تغار من امرأة بعينها.. تخاف أن تفقد مكانًا تعرفه في قلبي.. وفي هذا ما لا تبلغه غيرتي من الماء والفنجان والكرسي.
وقد تمر فقط فتفعل ما يكفي..
مرت.. فما أدري أأبصر فتنةً
أم حسن من وقف البيان محيرُ
وقد يبلغ المرور الروح..
مررت في الروح لا وجهًا ولا صورًا
لكنما العمر من أنفاسك خضرُ
بدأت وعدًا في العين.. ثم مشت في الشعر حتى لم تعد وجهًا ولا صورة. وفي ”أنا الوصول“ لم أعد أعرف أين تنتهي هي وأبدأ أنا..
ما عدت أعرف ما أصاب جوانحي
أأنا الهوى؟ أم صرت أنت عيوني؟
أن تكون المرأة عينيك أبعد من أن تراها بعينيك.. تستطيع أن تغمض عينيك عنها.. أما أن تصبح هي العين التي ترى بها فالمسألة أبعد من النظر.
ومع الروح والعين والعطر حضر الجسد..
ننساب في هدب العيون وسحرها
ونتوه في خمر الشفاه ونغرفُ
وأمد بالشغف المدلى غيمةً
إن لامست جلدي تفيض وترجفُ
ووصل الجسد إلى الكتابة نفسها..
وثدي الكتابة حبر طريٌّ
يلذ.. وما ذقته أعذبُ
وأشرب من ريقك المشتهى
فيسكر فيَّ الذي يشربُ
لم تعد المرأة موضوعًا أكتب عنه.. صار للحبر جسد وللكتابة ثدي.. وما بدأ بوعد الروح لم يفقد روحه عند الجسد.. اتسع له.
فالثغر الذي غرت عليه من الماء هو نفسه الذي أودعت فيه البوح.. واليد التي بحثت عنها في القميص عادت كفًا أقلب خطوطها.. والعطر حمل صاحبته وهي غائبة.. والعين التي بدأت منها الحكاية انتهت جهة أرى بها العالم.
حتى الضلع دخل في الأمر..
أميل هواكِ.. أيّ الميل أحياهُ؟
وأيُّنا مال.. أيُّ الميل أغراهُ؟
تداخل العشق فينا وانثنى ولعًا..
حتى استلذ من الإغراء مثناهُ
ومال ضلعيَ في أثنائه شغفٌ..
حتى تثنى على نجواك نجواهُ
لم يعد واضحًا من مال إلى الآخر.. اختلط الميل نفسه ودخل الضلع في نجوى كانت تكفيها روحان.
وبعدها دخلت في القدر والإرادة وما يملكه الإنسان من أمره.. فكتبت ”ما ارتميت“..
أتيتُ وما مجيئيَ باختياري
وإني في مجيئيَ ما نويتُ
وأودع فيَّ من تخيير عقلٍ
فمن بعد ارتمائيَ ما ارتميتُ
وإن كنا على كفيه نردًا
ففي وجه احتمالاتي عصيتُ
وإن حاكت يد الأقدار ثوبي
فلست لكل ما حاكت كسيتُ
حتى كتبت..
وتدنو مرةً حتى أراها
على شفةٍ وسبق البوحِ ”هيتُ“
وجدتها هناك.. على شفة.
فعدت إلى أول الطريق..
وجاءت بالهوى العذري تصغي
وفي عينيها وعد الروح أضوى
وما خدعني الهوى العذري.. ولم أخنه أنا أيضًا. بقيت الروح في كل ما جاء بعدها.. وجاءت معها المرأة كلها.. عينها وهدبها وثغرها وضفيرتها وعطرها.. والماء الذي بلغ ثغرها قبلي.. والفنجان الذي مسته أصابعها.. والكرسي الذي بقيت عليه كفها.. والطريق الذي مشت فيه.
وبين كل ذلك مرت يدها على زر قميصي فبحثت عنها.. ثم عادت الكف نفسها بعد قصائد لأقلبها وأتتبع أصابعها. حاولت الابتعاد فسبقني العطر إليها.. وحاولت فهمها فتركت نصف البوح للخيال.. وحملت فصاحتي إلى عينيها فعادت معي شبه جديدة.. ثم ذهبت إلى القدر فوجدتها هناك.. على شفة.
دخلت الغزل أريد أن أكتب امرأة.. وكلما كتبتها أخذت مما حولها وأدخلته معها في القصيدة.. حتى دخلت أنا بنفسي!
أما الزر الشارد في قميصي فقد كان أوفرنا حظًا.. وجدته يدها فأعادته إلى مكانه.
وأنا إلى الآن أبحث عن اليد.












