«رأس مال لا يُورَّث».. الدمام تناقش تمكين ذوي الإعاقة بعيدًا عن الاستهلاك العاطفي
احتضنت مدينة الدمام، مساء الأحد، فعالية ”رأس مال لا يُورَّث: تجليات ذوي الإعاقة المجتمعية“، لمناقشة سبل الانتقال من التعاطف إلى التمكين الفعلي والشراكة المستدامة مع أصحاب الهمم.
وأقيمت الفعالية في مقر جمعية الثقافة والفنون بحي النهضة، بتنظيم مشترك بين الجمعية، ونادي البدر للسينما والمسرح، ودار البدر للنشر والتوزيع. وشهد اللقاء حضور شخصيات اجتماعية وفنية وإعلامية، إلى جانب عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والمجتمعي.
وتولت الخبيرة الدولية في التدريب ومستشارة التمكين القيادي، الدكتورة رسمية الربابي، الإشراف العام على الفعالية وتقديم الطرح الرئيسي.
وشارك في الجلسات الباحث العلمي والناشط الاجتماعي الدكتور سعيد الجارودي، والفنان والمخرج يوسف جوهر، والكاتبة شوق القارة، ولاعبة البوتشيا والمؤلفة زهراء الأبيض، إلى جانب مشاركة التوستماستر عادل العتيق.
وركزت المبادرة على تغيير الصورة النمطية المرتبطة بالإعاقة، وتجاوز اعتبار هذه الفئة محلاً للرعاية. واستهدفت إبراز قدراتهم وإمكاناتهم كشركاء فاعلين في المجتمع، وهو توجه أكدته المواد التعريفية والتغطية اللاحقة للحدث.
وأكدت الربابي في مداخلتها الرئيسية أن التمكين الحقيقي يتطلب الابتعاد عن ”الاستهلاك العاطفي والخطابات السطحية“. ودعت إلى بناء شراكة مستدامة تعترف بالقدرات، وتتيح المجال لأصحاب الهمم لصناعة أثرهم بأنفسهم.
وتناولت الخبيرة الدولية مفهوم رأس المال الإنساني، مبينة أنه قيمة داخلية لا تُمنح بالوراثة.
وأوضحت أن الإنسان يجب ألا يعيش تجربته بالنيابة عن الآخرين، بل يكتشف قدراته ويعيد تشكيل علاقته بذاته ومحيطه.
وربطت الربابي بين الوعي بالذات وتجاوز التبعية للموروث الاجتماعي والنفسي. وحثت على استثمار الطاقات الداخلية، وتوسيع مساحة الفعل خارج القيود الجسدية، مع الاستفادة من مفاهيم صناعة القرار والتحليل السلوكي والحوار الداخلي.
ولفتت مستشارة التمكين القيادي إلى تأثير التراكمات النفسية والذكريات المبكرة في تشكيل شخصية الفرد وعلاقته بالآخرين. مشددة على أهمية بناء منظومة نفسية تحفظ توازن الإنسان واستقلاله، بعيداً عن الارتهان للعطاء أو الحرمان أو انتظار استرضاء الآخرين.
وذكرت أن تغلب أصحاب الهمم على تحدياتهم لا يعد إنجازاً فردياً فقط، بل يعكس مستوى نضج المجتمع. مضيفة أن ذلك يبرز قدرة البيئة المحيطة على توفير مساحة تتيح لأفرادها المشاركة والإنتاج وصناعة الأثر.
وشهدت الجلسة الثانية عرضاً لتجارب شخصية، برزت فيها مسيرة لاعبة المنتخب السعودي للبوتشيا والمؤلفة زهراء الأبيض.
وتناولت الأبيض، المنحدرة من مدينة صفوى بمحافظة القطيف، تجربتها التي دمجت بين الرياضة البارالمبية والتأليف عبر إصدار كتابها ”رويدا.. لا توصد الأبواب“.
وتصنف الأبيض ضمن فئة ”BC2“ في اللعبة، حيث حققت الميدالية الفضية في منافسات السيدات خلال دورة ألعاب غرب آسيا البارالمبية الخامسة في مسقط عام 2026. كما أضافت لسجلها فضية أخرى في مسابقة الفرق ضمن البطولة ذاتها.
واستعرضت اللاعبة والمؤلفة حصيلة مشاركاتها، مشيرة إلى تطلعاتها للانتقال من الإنجاز الرياضي والثقافي إلى التمكين المهني. موضحة أن هذا التحول سيتيح لها تحويل إمكاناتها وقدراتها إلى مسار عملي ومستدام.
من جهتها، سردت الكاتبة والمؤلفة شوق القارة تفاصيل رحلتها الشخصية منذ مراحل الطفولة. وتحدثت عن التحديات التي واجهتها لبناء ذاتها، والمشاعر المتباينة بين الحزن والسعادة وصولاً إلى تكوين تجربتها الأدبية.
وفي سياق متصل، سلط الفنان والمخرج يوسف جوهر الضوء على دور الفن في معالجة قضايا الإعاقة. مؤكدا أهمية السينما والمسرح في تغيير الصور النمطية وتعزيز الوعي المجتمعي حيال هذه الفئة.
وبيّن جوهر أن الأعمال الفنية قادرة على تقديم قضايا ذوي الإعاقة بعيداً عن حصرها في زوايا التحدي أو الاحتياج التقليدية. مشيرا إلى أهمية إبراز القدرات الإنسانية والإبداعية عبر اللقاءات التي تطرح القضايا الإنسانية بمنظور ثقافي.
وخلال الجلسة الثالثة، استعرض الدكتور سعيد الجارودي مفهوم الشراكة المستدامة من منظور تاريخي واجتماعي.
وأكد الباحث العلمي أن أصحاب الهمم لا يختلفون عن بقية أفراد المجتمع في القدرة على الإنتاج وصناعة النجاح متى ما توفرت لهم الفرص.
ودعا الجارودي وسائل الإعلام إلى تجاوز التناول الموسمي لقضايا الإعاقة، واستقاء المعلومات من مصادرها. مطالبا بالبحث عن الإنجازات غير المسلط عليها الضوء، لإبراز النماذج الناجحة القادرة على تغيير الصورة الذهنية السائدة.
وحذر من حصر قصص ذوي الإعاقة في زوايا الصعوبات، مبيناً أن إظهار الإنجازات الفردية يعد أداة أساسية لبناء الوعي وتحقيق الاندماج المجتمعي.
واختتمت الفعالية بفتح باب النقاش والتفاعل مع الحضور، متناولة الأبعاد النفسية والاجتماعية والفكرية لواقع ذوي الإعاقة. وعززت هذه المداخلات الطابع الحواري للأمسية التي مزجت بين الطرح النظري والتجارب الحية.
وأوضحت الجهات المنظمة أن المبادرة هدفت إلى الانتقال من الحديث عن التحديات إلى اكتشاف القدرات واستثمار الطاقات. وأكدت أن هذا المسار يرسخ مفهوماً أكثر استدامة في علاقة المجتمع بالأشخاص ذوي الإعاقة.






































