معلمون غادروا الفصول.. وبقي أثرهم في ذاكرة أبناء القطيف
استعاد عدد من المثقفين والفنانين والكتاب في القطيف، بمناسبة اليوم العالمي للمعلم، ذكريات معلمين تركوا أثراً ممتداً في حياتهم، مؤكدين أن مواقف إنسانية وتربوية عاشوها على مقاعد الدراسة قبل عقود، ما تزال حاضرة في ذاكرتهم وأسهمت في تشكيل جانب من شخصياتهم ومساراتهم.
وكشفت الشهادات أن ما بقي في الذاكرة بعد سنوات الدراسة لم يكن درساً أو درجة اختبار، بقدر ما كان كلمة تشجيع، أو موقفاً إنسانياً، أو لحظة شعر فيها الطالب بأن معلمه رآه واهتم به، فظل ذلك الموقف حاضراً رغم مرور السنين.
استعاد الصحافي حسين العوامي ذكرى معلم التربية الفنية الراحل علي عبدالله آل الشيخ، الذي درّسه في مدرسة الواحة الابتدائية، واصفاً إياه بالمعلم شديد الحرص على مصلحة طلابه، والذي لم يكن يرى أن مسؤوليته تجاههم تنتهي بمغادرتهم الفصل.
وروى العوامي موقفاً يعود إلى أيام الاختبارات، حين كان عائداً عبر طريق المزارع برفقة زوج خالته عبدالكريم محمد المحسن، على «قاري» يجره حمار، فمر بهما معلمه علي آل الشيخ بسيارته، وأوقفهما وأنزل تلميذه ووبخه بشدة، معتقداً أنه ترك مراجعة دروسه وذهب إلى المزرعة.
وأوضح أن زوج خالته بادر إلى توضيح الموقف للمعلم، مؤكداً أن الصبي يحمل كتابه معه ويذاكر هناك، مشيراً إلى أن الموقف، رغم شدته، بقي في ذاكرته شاهداً على مقدار اهتمام المعلم بطلابه ومتابعته لهم حتى خارج المدرسة.
واستحضر العوامي موقفاً آخر ظل عالقاً في ذاكرته، عندما طلب منه أحد المعلمين الذهاب إلى البقالة المجاورة لشراء علبة سجائر «مالبورو»، ثم ضربه بالعصا لأنه أحضر العلبة البيضاء بدلاً من الحمراء.
وقال إن المعلم علي آل الشيخ رآه يبكي، وحين عرف سبب بكائه دخل على المعلم ورمى علبة السجائر في وجهه، مطالباً إياه بأن يذهب بنفسه لشرائها وألا يطلب من تلميذ القيام بذلك.
وأكد العوامي أن الموقفين جعلاه يستحضر معلمه دائماً بوصفه نموذجاً للمعلم الحريص على مصلحة الطالب، والذي يتجاوز دوره التربوي جدران الفصل والمدرسة، مشيراً كذلك إلى تشجيعه طلابه على الخيال أثناء الرسم.
وتوفي المعلم علي آل الشيخ إثر حادث مروري عام 1400 ه / 1980 م، حين كان العوامي في الصف الخامس الابتدائي.
وعن العبارة التي سيقولها لمعلمه لو كان أمامه اليوم، أجاب بمحبة: «لن أقول شيئاً، سأقبل رأسه احتراماً وإجلالاً وتقديراً له».
واستحضرت الكاتبة نسيمة السادة معلمتها في المرحلة المتوسطة خضراء معتوق الصادق، واصفة صورتها التي بقيت في ذاكرتها بأنها صاحبة ابتسامة هادئة وخجولة خارج الفصل، ومعلمة حازمة داخله، وتحمل «روح طفل في جسم إنسانة ناضجة».
وقالت السادة إن عدداً كبيراً من المعلمات أسهمن في تكوين شخصيتها العلمية، وشجعن فضولها وحبها للتعلم، إلا أن ما ميّز دروس خضراء كان الطريقة التي جعلت بها اللغة العربية تتجاوز حدود المنهج الدراسي.
وتذكرت موسيقى اللغة العربية في دروس النصوص، وصور البلاغة الأدبية التي ظلت عالقة في ذاكرتها، مشيرة إلى أن معلمتها كانت تحول المادة العلمية إلى درس في الحياة، وتفتح أمام طالباتها أسئلة تتصل بالإنسان والسعادة والإيثار والعطاء والرضا.
كما استحضرت تشجيعها على الكتابة والإلقاء والمشاركة في الإذاعة المدرسية، وما كانت تمنحه لطالباتها من اهتمام عزز ثقتهن بأنفسهن وقدراتهن.
وعن الأثر الذي بقي معها بعد سنوات الدراسة، عبرت السادة عن امتنانها لمعلمتها قائلة: «رحم الله والديك وجزاك الله خيراً... لك الفضل مع والدتي في تكوين ورسم شخصيتي اليوم».
وأضافت بفخر: «أنا فخورة لأنني كنت طالبتك يوماً، وأتمنى أن تكوني كذلك».
أما الشاعر والفوتوغرافي حبيب المعاتيق، فاستعاد ذكرى معلمه الأستاذ محمد مهدي المحاسنة «أبو لواء»، مستحضراً صوته الجميل وقصص الأنبياء التي كان يرويها لطلابه، وما لمسه فيه من إخلاص في أداء رسالته التعليمية.
وتعود إحدى أبرز ذكرياته معه إلى حين اختاره المعلم للمشاركة في مسابقة لحفظ القرآن الكريم، بينما كان الخوف يسيطر عليه، فلم يكتفِ المعلم بتشجيعه بالكلمات، وإنما احتضنه ليطمئنه.
وقال المعاتيق إن معلمه خاطبه آنذاك بقوله: «لا تخاف، ما بياكلوك.. الموضوع بسيط جداً»، مؤكداً أن ذلك الموقف ظل حاضراً في ذاكرته رغم مرور السنوات، لما منحه ذلك الحضن الأبوي من شعور بالأمان والثقة في لحظة كان فيها طفلاً خائفاً.
واختصر المعاتيق ما يرغب في قوله لمعلمه لو التقاه مجدداً بقوله: «سأطبع قبلة على جبينه... جزاك الله عنا ألف خير.. لا تزال محفوراً في ناحية قصوى من القلب».
وأعاد الكاتب والمخرج فاضل الشعلة علاقته المبكرة باللغة والحكاية إلى معلمه علي الصفار في الصف الثالث الابتدائي، مستذكراً طريقة بسيطة استخدمها المعلم لتحفيز طلابه على إتقان الكتابة.
وقال إن الصفار كان يطلب من الطلاب كتابة بعض الكلمات على السبورة، ومن يكتب الكلمة بصورة صحيحة يحصل على ريال، مشيراً إلى أنه كان ينهض بحماس للكتابة والفوز بالمكافأة الصغيرة.
وأضاف أنه لم يكن يدرك حينها أن ذلك التحفيز البسيط سيصبح إحدى البوابات المبكرة التي قادته إلى حب اللغة العربية.
واستذكر الشعلة أثراً آخر لمعلمه، تمثل في القصص التي كان يحملها إلى طلابه من مكتبته، وكانوا يشترون الواحدة منها بنحو خمسة ريالات، موضحاً أن علاقته بالقراءة بدأت بقصة يشتريها في الفصل، قبل أن يصبح هو نفسه زائراً لمكتبة معلمه بحثاً عن مزيد من القصص.
واختصر الشعلة أثر تلك التجربة بقوله: «حين أستعيد تلك السنوات، أرى أن ريالاً وقصة صغيرة فتحا لي بابين كبيرين: باب اللغة، وباب الحكاية».
واستحضرت التشكيلية سعاد أوخيك معلمتها في المرحلة المتوسطة ومربية فصلها، الأستاذة منى الدوسري، معلمة الاجتماعيات «التاريخ»، ووصفتها بأنها إحدى الشخصيات التي التقطت موهبتها الفنية في وقت مبكر.
وروت أوخيك أنها كانت تجلس في أول الصف، وتستخدم كتاب التاريخ أحياناً للرسم، وترسم الخرائط بطريقتها وتزخرفها وتلونها، بدلاً من الاكتفاء بكتابة الدرس.
وأضافت أنها توقعت في إحدى المرات أن تعاقبها معلمتها عندما وقفت فوق رأسها ورأت ما تفعله، إلا أنها فوجئت بها تبتسم وتقول: «ما شاء الله.. يدك فنانة، كملي».
وأكدت أوخيك أن تلك اللحظة بقيت في ذاكرتها؛ لأنها كانت من المرات الأولى التي رأى فيها أحد خربشاتها باعتبارها فناً لا إهمالاً.
وأشارت إلى أن ما ميّز الدوسري عن غيرها أنها لم تنظر إلى الطالبة من زاوية الحفظ والتحصيل الدراسي وحدهما، بل التفتت إلى جانب آخر من شخصيتها وموهبتها، وشجعتها عليه.












